Culture Magazine Monday  22/01/2007 G Issue 183
فضاءات
الأثنين 3 ,محرم 1428   العدد  183
 

العقل بين الاعتماد والاعتضاد
عبدالله بن محمد السعوي

 

 

يشكل الأفق العقلي كجوهر مجرد عن البعد المادي لما يحظى به من بعد مركزي هام شرط الكينونة الوجودية الوجود الكيفي لما له من مخرجات تميزبين الكائنين الإنساني الواعي والحيواني المحصور في تركيبته البيولوجية ذات الطابع الغرائزي بوصف التباين النوعي لا الدرجي هو الحقيقة المتعينة خلافا للنظرية الداروينية التي تتعاطى معهما بحسبهما مجرد امتداد للبعد البيولوجي الحيوي. هذا الأفق لامن حيث بنيته التحتية كوعاء وتكوين من الناحية الفيزيائية، وإنما من حيث بنيته الفوقية كفكر وممارسة ذهنية، ليس بنية مغلقة منتهية التكوين بل هو بوصفه امتداد ضوئي يتجاوز الفيزياء إلى الميتا فيزيقا، مشروع مفتوح على النمو والاطراد التطوري الصيروري. الأديان في اتجاه خطها العام أعلت من قيمة العقل واعتبرته مناط التكليف، وجعلته الأنظمة القانونية أساس المسؤلية والجزاء، والفلسفة منذ لحظتها الأفلاطونية اعتبرته أهم محدد للكائن البشري، إذاً هو من أضواء الأنوار لماهية الإنسان، والتفكير به هو الأفق التطبيقي والامتداد العملي للعقل الذي تعتبر محدوديته من أبرز محدداته فيتعذر عليه الإحاطة بكنه الأشياء، ومقاربة البعد الكيفي لكينوناتها، بوصفه مهيأ بحكم تكوينته الجبلية لإدراك الجزئيات والظواهر، والتفكير في تجليات المادة الكونية فحسب، ولذا فعندما يفكر العقل في العقل بعقل، فيفكر العقل كأداة تفكير في العقل كموضوع تفكير، فيسلط أناه على أناه، ويفكر في ذاته بذاته، ويمارس استكناه بنيته وسبر أغوار مكوناته، فيكون هوالذات وهو الموضوع، وهو الفاعل وهو المفعول، وهو العاقل وهو المعقول، حينئذ يدرك العقل محدوديته فألصق شيء به هو العقل ذاته، وفي الآن ذاته أبعد شيء عن متناول العقل هو العقل ذاته، فهو يتخذ من ذاته آخراً ليس إلا هو ذاته، هو بجبلته التكوينية ضعيف، من آيات وهنه أنه لا يعمل بمادته التكوينية الأنطلوجية (هيولاه ومادته الأولى) وإنما بكمالاته ومكتسباته، ولذا فمن غير الموضوعية الاعتماد عليه كمركز تحاكم كل الحقائق الأخرى من خلاله وإنما يعتضد به كعنصر معرفي وظيفته الحياتية المحورية مباشرة النشاط الذهني. من البديهيات المسلمة أن العقل كطاقة إدراكية، يأخذ طابع الصيرورة فهو بنية غير ثبوتية، وكثيراً مايغير في قراراته وأطروحاته، ومنهجية تعاطيه مع الأشياء، كلما تباينت المعطيات المعرفية التي تصوراته مستوحاة من مضامينها، وعلى ضوء هذا نعي عدم صوابية الإطار المفاهيمي الذي يتعاطى مع العقل لا بوصفه قوة معنوية تتصل بالمعقولات وإنما بوصفه قاعدة للوعي التفصيلي الذي يشكل الرؤية لكل المفردات بما فيها المتعاليات، نرى هذا متجسدا في المنهج العقلاني لإثبات الوجود الذي برز في الفلسفة اليونانية على يد (سقراط) و(أرسطو) وبرز أيضا في الفلسفة الحديثة على يد (ديكارت) و(سيبنوزا) فهو ينهض على رؤية تتعذر منطقتها لافتقارها للبعد الموضوعي، فهي تنزع إلى إخضاع كل مفردات الوجود للعقل لإثباته أونفيه أو تحديد خصائصه، وترى أن الإدراك العقلي المجرد سابق على الإدراك المادي المجسد.

ويضارع ذلك، المسلك المعتزلي الذي هو الآخر يتوسل العقل كآلية يتيمة للوصول الى الحقيقة حتى ولوكانت ذات بعد ما ورائي. إن إقحام العقل في مفردات تفوق إمكانيات تصوره هو الذي أفضى إلى تجلي المذهب العدمي، وحدا ب(نيتشة) إلى القول بموت الإله، الباعث ذاته هو الذي أدى إلى ظهور الفلسفة الوضعية المتموضعة على نحو يفتقر للموضوعية على يد (أوجست كونت) الذي نتيجة لخروجه عن دائرة التقدير الموضوعي للعقل وضع قانون التقدم الإنساني. الذات الإنسانية ليست عقلا محضا بل هي منظومة متكاملة من الرغبات والعواطف والمحركات الوجدانية التي ينفعل بها العقل على نحو عفوي، ولها أثر ملموس في صياغة رؤاه، الميل الوجداني إلى توجه ما يحض العقل على توليد المسوغات لذلك وبلورتها وصياغتها على نحو يبدو منطقيا حتى ولوكان يحمل تفنيده في ثناياه.

كلما تنامى التمحورحول العقل بوصفه سلطة تتعالى على المساءلة، تعمق الشعور بامتلاك الحق المطلق، وامتد نطاق الاندفاع العقلي على نحو يبلغ الإذعان للعقل أقصى مداه، وهنا قد يجترح موبق الإنكار لكل مالا يقع في متناول الحواس من مفردات العالم اللامنظور، كما نرى عندالدكتور (زكي محمود) الذي ألف كتابا عنون له ب(خرافة الميتافيزيقا) حيث يقول في كتاب (المنطق الوضعي): (... جعلت الميتا فيزيقا أول صيدي أول ما أنظر إليه بمنظار الوضعية المنطقية لأجدها كلاما فارغا لا يرتفع إلى أن يكون كذبا) وكذلك الوجودي (سارتر) الذي يرى أن الإله ليس إلا ضربا من الخرافة ذات الطابع الميثي، وقبله شرعن وعلى نحو لا عقلي أبو العلاء المعري لنبوة العقل عندما قال في (لزوم ما لا يلزم) 2439: أيها الغر إن خصصت بعقل فاتبعه فكل عقل نبي.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد
مواقع الجزيرة

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة