Culture Magazine Monday  22/01/2007 G Issue 183
نصوص
الأثنين 3 ,محرم 1428   العدد  183
 
بدور إبراهيم الأحيدب
الأكذوبة..

 

 

(إلى كل أولئك الذين لا يرون سوى الوجه الضاحك في حياتي.. اتبعوا حروفي حتى النهاية سأريكم شيئا!!)

حقيقة:

أعلمُ أن الإنسان لا يملك إلا أن يشك في كل الأمور التي لا يراها بعينيه.. لكني لن أكتبَ إلا صدقاً..

مِن بين حُزني المُتوّج بعمامةٍ مِن اليأْس..

أَدسُّ رُوحي فِي عُمْقِ محبرةٍ رَمَادِيَّة لا يمكنني أبداً أن أتبين امتدادها السفلي!!

أشعر بدوارٍ ومرارةِ وحدةٍ قاتلة تدفعني لارتكاب جرم الكتابة!!

كل الأيام الماضية التي عشتها أراها تنزلق لتسبح في حبري..

حينَ كنتُ صغيرةً كانت الأيامُ ترحلُ دونَ خدشٍ ليس لأنها جميلة بل لأني لم أكن أدركُ وقتها معنى أن يجرحني يومي وحين كبرت تراكمت الخدوش ولم تعد عروقُ الليلِ قادرةً على امتصاصِ آهاتِ الألمِ المخنوقةِ بداخلِي..

يأتيني الليل مجدولاً بالغربة وأنا لا أملك إلا رمي حطام روحي على أرصفته في الصقيع..

أيامٌ طويلةٌ مضت..

ولا أحد يشعر بعذاب أنثى أحكمت خياطة شفتيها فوق بعضهما غير مبالية بوخز الإبرة كي لا تنادي أحدا..

لأنها على يقين تام أن أحداً لن يجيب نداءها!!

وأنتظر الغد..

الكل حولي يقول: غداً أجمل..

ويأتي الغد فأمنحه كل ما لدي ويمنحني وجعاً يتلوى ويصرخ: أنا لكِ بالمرصاد!!

ولا جديد..

وتظل ابتسامتي كحصن منيعٍ أمام جيوش حزني فأضحك وحشرجة الوجع بداخلي تنتظر مني بكاء طويلاً.. طويلا..

ولشدة ضحكي تسيل دموعي.. فيظن الجميع حولي أنها دموع فرحٍ غامر ولم يعلموا أنها انسكاب لحزنٍ لم يَفْتر يتوسل عيني: أَنْ فُكّي أسري..

***

منذ زمنٍ وأنا أرضع الحرمان من ثدي الحياة وأمضي..

أظهر للجميع أني لا أعرف الحرمان كأني تلك الطفلة الفقيرة التي تسمع من زميلاتها في المدرسة حكايا الدمى والسفر و((الباربي)) والأفلام الكرتونية والمدن الترفيهيّة وأشياء كثيرة لا تفقهها.. فتحدثهن عن دميتها.. عن ملابسها وشكلها وحتى لون عينيها رغم أنها لم تعرف ملمس الدمى قط..

ويزداد ارتفاع صدرها وهبوطه خوفا من أن يكتشفن كذبتها، وفي المنزل تتسابق خطواتها لتصل إلى فراشها الصغير المرقع فتحتضن وسادتها وتبكي..

تبكي حرمانها وكذبة بيضاء بريئة أجادت رسمها على زميلاتها..

***

وأمْضِي وَحْدِي..

أدسُّ فِي حقيبتِي حَلوى العِيد التِي وَهبنِي إيَّاها أبِي ثُمَّ رَحَل..

لازلتُ أحتفظُ بها حتَّى الآنَ وَلا زالتْ تِلك الحَلوى وَفيّة مُحتفظَة بِعَبقِ كَفِّ أَبِي..

أَخْرَجَها مِنْ تَحْتِ وِسَادته فِي المُسْتشفَى وَقَالَ لِي خُذيْها يا ابنتِي خَبأتُها لكِ خوفاً مِنْ أنْ تتلصصُ عليها أَيدٍ لا تُجِيد سِوى السَّلب وَأفواهٌ تَفْتَرِسُها وَلا تُجِيدُ مَضغَها بِفَرَح..

كان أبي يشعر بالموت وقتئذ فوهبني الحلوى حتى تنسيني فرحتي بها فقده..

ورحل ولم يعد للحلوى طعمٌ بعده..

***

قال لي أخي الصغير:

ماذا ستفعلين حين تخون صديقتك الحميمة مبدأ صداقتها معك؟!

ابتسمتُ ببرودٍ وقلت:

لن أفعل شيئا فقط سأتثاءب بمللٍ وأنام فلم يعد جديداً عليّ انكشاف سوءة الآخرين، ما يثير الدهشة فعلاً هو أنْ تِجدَ حولك من هم أوفياء بِصدق!!

لم تعد البشاعةُ تصدمني أبداً!!

***

لماذا أكتبُ الآن وإلى أينَ ستقودني الكتابة؟!

لا أعلمُ بالضبط، ولا أستطيعُ صنعَ إجابةٍ لسؤالٍ فاتَ أَوانُ الإجابَةِ عليه..

كلُّ ما أعرفهُ أن أصابعي منذُ أنْ لامست الأبجدية لمْ تتخلَّ عَنْها..

الكتابةُ رئةٌ ثالثة تتنفس بِها أنامِلي كَيْ لا أَختنِق!!

***

أنا الآن بحاجة لأن أكون وحيدة أكثر من أي وقتٍ مضى..

بحاجة لأن أجري فوق أرض بيضاء تمتص نزفي..

بحاجة إلى الغرق في أعماق الأبجدية.. بحاجة ماسة لنسيان حزني الخطأ على أولئك الذين لا يستحقون..

كم سئمت هذا الزمن المفلس من كل المعاني الجميلة..

متى أتطهَّر من حسن الظن بالآخرين؟!

متى يموت صوت الحزن الصامت بداخلي الذي لا يصمتُ أبداً؟!!

***

دائماً أمي تقول حين تراني أبكي: الكبار لا يبكون!!

الكبار يجب أن يدفنوا ألمهم في صدورهم ولا يعبرون!!

أمي تقول كل ذلك ثم تمضي وهي لا تعلم أني لا أبكي إلا حين يعجز صدري عن إيجاد مكان شاغر لألم آخر

أمي لا تعلم أن دموعي إنما هي فقط الحزن الزائد عن طاقتي وأن ثمة حزنا مبعثرا لا تلملمه الدموع..

***

موجوعة أنا كرجل ماتت زوجته وتركت له طفلةً صغيرة تتوسله منذ أن تستيقظ وحتى يغلبها النوم أن يبحث عن أمها ظنا منها أنها خرجت فَضَلّت الطريق، تجره من ثوبه وتضربه تتصرف كالمجنونة من شدة شوقها لدفء حضن أمها وهو لا يملك سوى الدموع وقلب تفطر من الفقد!!

أقف مغسولة بالخوف.. وروحي محترقة بصقيع الاحتياج.. ملايين الأحرف بداخلي ترتجف ولا أعرف كيف أقولها..

لن أكمل ما كتبت فأنا الآن حبلى بعقم الأبجدية وصمتها!!.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد
مواقع الجزيرة

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة