Al Jazirah Magazine Tuesday  29/05/2007 G Issue 220
فنون عالمية
الثلاثاء 12 ,جمادى الاولى 1428   العدد  220
 

الحرب والسياسة في السينما الكورية

 

 
* هوليود - محمّد رُضا:

إذا كان لكل سينما عصرها الذهبي فالعصر الحالي هو عصر السينما الكورية الجنوبية. قبلها شهدت السينما الإيرانية رواجاً كبيراً إلى أن أصبح الجمهور العالمي معتادا عليها يقابلها حالياً بقدر ملحوظ من الفتور. وقبلها كانت السينما اليابانية سيّدة الموقف وأفلامها تنتزع الجوائز وتثير الاهتمام في كل مهرجان تحضره.

وضع السينما الكورية الجنوبية (ليس هناك حاجة للحديث عن تلك الشمالية التي لا تكاد توجد، وإذا وُجدت لا تُشاهد) مثير للاهتمام لعدة أسباب. من أهمها أنها تحتوي على ذات القيم الجمالية للسينما اليابانية والشرق آسيوية عموماً، ومع ذلك فهي مختلفة من حيث المواضيع ومن حيث التاريخ الذي ترويه عبر أفلامها.

الى ذلك، هناك اختلاف واضح بين أساليب العمل والتعبير. إلى اليوم لم أتعرّف إلى مخرج كوري استلهم أسلوبه من أكيرا كوروساوا أو شوهاي إيمامورا أو كون إتشيكاوا أو سواهم من المخرجين اليابانيين.

يجب إلا ننسى التاريخ البعيد للسينما اليابانية كونها بدأت في عام 1899 وشهدت تجارب كثيرة ولو أنها بقيت منغلقة على ذاتها حتى الخمسينات عندما سنحت لها الفرصة، بُعيد الحرب العالمية الثانية. العروض الدولية في مهرجان فانيسيا أوّلاً ومنه إلى سائر المهرجانات العالمية الكبرى لكل هذه الأسباب وسواها، السينما الكورية مختلفة وفي الدورة الحالية من مهرجان كان السينمائي الدولي المُقام تم تقديم أوجه متعددة لهذا الاختلاف من خلال بضعة أعمال من بينها فيلما المسابقة (نور شمس سري) للي تشانغ - دونغ و(تنفّس) لكيم كي دوك.

وفي حين أنه سيمر بعض الوقت إلى أن يتم إطلاق هذين الفيلمين على أسطوانات الأفلام، إلا أن المتوفّر الجديد حالياً لا يقل قيمة عن هذين العملين ولا يتوانى في كشف المصادر التاريخية والإجتماعية الثرية لأعمالها.

حادثة اغتيال

في المقدّمة، ومن فترة تاريخية ليست بالبعيدة، نرى (طلقة الرئيس الأخيرة) لإم سانغ - سو. دراما عنيفة مستوحاة من الواقع بل موغل فيه أيضا ما يجعل مشاهدته أمراً لا يهم سوى هواة السينما وربما المتخصصين في السياسة أيضاً. وهو شهد ضجيجا إعلاميا حين خرج سينمائياً إلى العروض في كوريا ثم خارجها. فهو يدور عن حادثة إغتيال الرئيس الكوري الجنوبي بارك تشونغ هي على يدي رئيس الاستخبارات الخاصة خلال جلسة ترفيه ضمّتهما مع عدد آخر من المسؤولين، معظمهم قضى في تلك الجلسة التي ضمّت أيضا جليستين وفّر القاتل حياتهما.

ندلف إلى بيت الرئيس (كيم يونغ - سو) الذي دعا إلى وليمة عشاء للمقرّبين منه وبينهم رئيس المخابرات جا - غيو (بايك يون- شِك) والعميل جو (هان سيوك - غيو) والمغنية شيم (كِم يون-آه) وبينما كانت الخمرة تأخذ بالرؤوس كان رئيس المخابرات يلتقي بمعاونيه (ونتعرّف موجزاً على خلفية كل منهما) ويطلب منهما تجنيد الحرس الخاص أو قتل من لا يتم تجنيده تحضيراً لما سيأتي. حين يعود جا - غيو إلى غرفة الرئيس يفتح النار على الرئيس أولاً ثم على اثنين من الجالسين ويوفر ثلاثة آخرين. في الوقت ذاته، كان معاوناه يصفّيان الحرس الخاص بأسلوب دموي.

بعد ذلك، تنتقل الأحداث إلى المستشفى حيث يحاول الأطبّاء إنقاذ الرئيس، ثم إلى الحكومة وقد انعقدت بوجود رئيس المخابرات الذي لا ينفي ما أقدم عليه. نتيجة الجلسة كانت الحكم على رئيس المخابرات وإنطلاق رجال الحكومة لقتل المشتركين معه في العملية. باقي الأحداث أكثر قتامة (نصفها الأول أكثر عنفاً) وتتناول، في خلطتها، مصير معاوني رئيس المخابرات اللذين امتثلا للأوامر من دون ذنب ارتكباه.، هناك نظرة تعاطف معهما على عكس تناول الفيلم لرئيس المخابرات إذ يبدو شريكا في الوضع السياسي الذي ساد.

الكوميديا السوداء

يظهر الفيلم موقفين أساسيين: أولهما موقف رئيس الجمهورية من الحريات عموماً وازدرائه الديمقراطية والمطالبين بها، والثاني، موقف الفيلم نفسه حيال رئيس وصل إلى السلطة بإنقلاب عسكري (تم سنة1961). بعيداً عن السياسة، هذا فيلم على قدر كبير من التجانس. كل دقيقة فيه تجسد ثراء نادراً وتلتحم جيداً بتلك التي سبقتها أو تليها. المشاهد تمر ضمن رؤية واحدة على صعيدي الصورة والتنفيذ التقني المؤلّف لها. تصوير كِم وو - يووانغ من أفضل ما مر خلال العام. مريح ومتأمّل ويسوده لون بني مثل ذاك الذي يستخدمه ألكسندر زاخاروف في أفلامه، ولو أكثر دفئاً منه. في الفيلم يتوزّع الممثلون حسب مواصفات المكان. المخرج لديه المعرفة المطلوبة لتوزيع ممثليه داخل الكادر ونصب الكاميرا في المكان الأكثر وعياً للمساحة بكاملها من دون أن يمحص قدر ممثليه. وإدارته لهؤلاء بدورها مثيرة. هناك متعة في مشاهدة ممثليه وتعاملهم مع النص وشخصياته. وخلال ذلك تتسرّب الكوميديا السوداء في أماكن محدّدة. في الحقيقة، مشاهدة الفيلم مرة أولى تكاد تموّه الكوميديا الساخرة التي تحرّكه.

(لي) الباحثة عن العدالة

أما الفيلم الثاني فقد حقق أيضا نجاحاً تجارياً في كوريا ومخرجه صاحب باع طويل في السينما هو بارك تشان - ووك. وأما ثامن فيلم للمخرج تشان - ووك فهو (السيدة إنتقام اللطيفة)، وهو ثالث ثلاثية عن فعل الانتقام وحق المرء فيه من بعد (عطف للسيد انتقام) عام 2002 وفيلم (أولد بوي) لعام 2005. والفيلم إذ يلتقي تماماً مع أسلوب الفيلمين السابقين في الكثير من الملامح باستثناء أن الفيلم الثاني كان أكثر حرارة في شخصياته من الفيلم الأول والثاني هذا، وأكثر نجاحاً أيضا تجارياً (نحو 32 مليون دولار في كوريا وحدها). أحد الإختلافات هنا هو أن (السيدة انتقام اللطيفة) ليس مفاجئاً كما كان الحال عليه مع الفيلمين السابقين (وهذا الناقد شاهد الجزء الثاني قبل الجزء الأول) بل يعمد إلى بديل غير مجزٍ وهو اصطياد تلك المناسبات التي ترمي في الوجه مشاهد عنف أو مشاهد خارجة عن المتوقع ربما بسبب إدراك المخرج بأن القصة التي يوفرها مبنية على توليفة ليست جديدة تماماً. بطلة الفيلم لي غيوم-جا (لي يونغ - آي) تخرج من السجن بعد أن تقضي فيه 13 سنة وبضعة أشهر. أحد المشاهد الأولى يقدّمها وهي تحضر إحتفالاً دينيا يتخيّل فيه المحتفون إنها قررت التوبة عن معصيتها التي أودت بها إلى السجن. لكن لي تفاجئ الجميع بأن الانتقام وليس التوبة هو ما يشغل بالها. لي كانت في التاسعة عشرة من العمر عندما طلب منها أستاذ اسمه بياك (تشوي مِن- شيك الذي شاهدناه يقود بطولة فيلم أولد بوي) مساعدته في خطف صبي وهي صدّقته حين أكد لها أن الصبي لن يُصاب بأذى، لكن حين وجد البوليس الصبي ميّتاً قام بياك بتهديد لي بخطف إبنتها مقابل أن تعترف بالجريمة التي لم ترتكبها.

لعبة القط والفأر

أما وقد أماط المخرج اللثام عن هذه الخلفية، فإنه الآن منصرف إلى توزيع الأحداث ما بين (فلاشباك) للي وهي تقضي عقوبتها في السجن حيث يفتح الفيلم بضع نوافذ تطل على شخصيات نسائية أخرى، وبين متابعة الخطة التي تعمل لي بموجبها للوصول إلى بياك وقتله. في مشاهد العودة إلى الوراء نتابع كيف استطاعت التحوّل إلى سجينة تتعاضد والجميع لتحل مشاكلهن ولتساعدهن في أحوالهن كما لو كانت مرسلة لهذه الغاية.

لكن لي لا تفعل ذلك حباً برفيقات سجنها، بل لأجل أن تختار من تعتمد عليهن في خطتها اللاحقة. فابنتها لا تزال مخطوفة والقاتل الذي خدعها طليق ينعم بحرّيته ولي لن تغفر له فعلته. عند هذا الحد، هناك ما يكفي للتعاطف مع لي لكن التعاطف يصبح أمراً ثانوياً في لعبة القط والفأر الطويلة التي نشهدها. بعد خروجها تقتحم وكالة تحتفظ بأوراق حول ابنتها بعدما رفضت الوكالة إطلاعها على تلك الأوراق أو إخبارها بمكان إبنتها. تسافر لي إلى أستراليا حيث تقابل إبنتها التي تبنّتها عائلة أسترالية. لي لا تتحدّث الإنكليزية وإبنتها لا تتحدّث الكورية لكن التواصل يتم والإبنة تصر على مصاحبة أمها عائدين إلى سيول. في الجزء اللاحق من الفيلم تزداد قتامة الأحداث وتتشابه خطوطها العريضة بفيلم (أولد بوي): لي تخترق مكان بايك الذي كان توصّل لمعرفة مكانها وإبنتها وأرسل رجاله لقتلها. لكن لي تواجه المجموعة وتنتصر عليهم قبل انتقال المعركة إلى منزل بايك نفسه. ليس وحدها بل مع نساء كثيرات (وبعض الآباء) لأطفال آخرين خطفهم بايك وقتلهم.

الحرب الكبرى

(لوح العلم الكوري) هو الفيلم الثالث في هذا الاستعراض،وهو أكبرها إنتاجاً فلإعادة بناء معركة (دو مِل رايونغ) التي ساهمت في الحسم العسكري للحرب بين الكوريّتين الشمالية والجنوبية، قام المخرج غانغ جي - غيو بتأجير 3000 ممثل و500 خبير إدارة مجاميع و(دوبلير). المعركة استغرق تصويرها ثلاثة أسابيع بمعدل 50 حادثة في اليوم، علماً بأن الكثير من تلك الأحداث، التي لم ينتج عنها ما هو خطير، وقعت خلال تصوير مشاهد الإشتباكات اليدوية التي وقعت بين الجانبين.

مؤكداً أن هناك معلومات أكثر. لكن ما سبق لمجرّد إعطاء صورة عن فيلم غالباً لن يشهد أي عرض عربي له (يكاد المرء أن يجزم ولكن من يدري؟). ليس أن (لوّح العلم الكوري) هو أكبر فيلم حربي تم إنتاجه في التاريخ وليس أساساً لحجم إنتاجه بل للواقعية التي فرضت حشد قوى وآلات وعناصر عمل ومتابعي تفاصيل لاستخراج عمل قريب من الصدق وغزير التفاصيل. إذا كنت تريد أن تتخيّل عملاً قريباً منه فتصوّر فصل المعارك في مطلع فيلم (إنقاذ المجنّد رايان) مضروباً بمئة مرة. للمناسبة فقط، لا شيء مما أقدم عليه سبيلبرغ في ذلك الفيلم ولا شيء مر في السينما الحربية الأمريكية في الأربعينيات والخمسينيات، باستثناء (سفر الرؤيا... الآن) و(الخيط الأحمر الرفيع)، يقترب من (لوّح العلم الكوري). لكنها عادة المخرج كانغ جي - غيو العمل على نسيج كبير من الأحداث وهذا ربما كان أكبر أعماله (أكبر من الأعمال التي شاهدها هذا الناقد له على أية حال). وميزانيته (50 مليون دولار) هي الأعلى في تاريخ السينما الكورية.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة