Friday 04/10/2013 Issue 14981 الجمعة 28 ذو القعدة 1434 العدد
04-10-2013

الكنز صحبة فاخرة!

دلفت وثلة من الأصدقاء قلب الصحراء، بعد رحلة شاقة ، لكنها ممتعة ، الشجر ناعس تحت ريح حارة غبارها الخفيف يموج بين الصفرة والحمرة، الأرض لها رائحة الماضي وعبق التاريخ، التلال البرونزية المعلّقة عند الغروب تنز ريحاً خفيفة لكنها عذبة،

الصحراء بمدارها الواسع كمراهقة فقدت بوصلة الجسد في دوار التفتح، لا أحد يفقه ماهيتها ولا أحد يحميها من جنون عشاقها الحمقى، القرى المتناثرة على جنبات الطريق تحلم أن تكون مدينة ذات يوم، تكثف تطورها ونموها تحاول أن تتجمّل وتتزيّن للعابرين بكل ما أوتيت من إمكانيات، في حلمها ينتابها العلو الحالم، أن تذهب إلى عمق الصحراء دون معرفة مسبقة بالتضاريس يعني أنك تذهب إلى متاهة رمادية ، بقايا الشجر الباكي ينحني ظمأً وحزناً ويبحث عن غيمة عابرة، صوت طائر العقاب والحدية ورف المريعي والخضير، ينوح في المشهد الليلي الضافي مردداً مرثيات العبور نحو البلاد البعيدة ،حالمة بفردوس فإذا به يغوص في وحل بنادق وشباك الصيادين الفادحة وخدع الحمام الملون ، ذخيرتي من السعادة في تلك الليالي الثلاثة كبرت كثيراً، جسدي أرتعش حينها طرباً لوجه القمر المنير الساطع، تأمّلت نفسي في مرآته اللامعة، تدبّرت مليّاً أمر الله في خلقه وفي كونه ، في تلك الليالي الثلاثة وضحى أيامها، خرجت حينها خارج التقويم، شخص آخر يتشكّل في عتمة الصحراء، والروح ضوء كتيم محبوس في الزوايا، جسدي صار مجبولاً من ذاكرة ودم وقمر ونجم وهواء عليل وصحبة فاخرة، الصحبة الفاخرة كنز، والكنز صحبة فاخرة، أول الضحى كما في أول المساء ، نندفع إلى الخروج من زنزانة الليل لنعثر على طائر ثمين نليق به ويليق بنا، الصيادون كثر، منتشرون كنبت، وطيورنا التي معنا في القفص يلتهمها الحزن ويقتلها بوحشية انتظار مخلب جارح قد يضربها بغته، أشباح الطيور المرعوبات تحلّق محجوبة بالخوف، والطيور الجارحة من علو تستطلع بثقة يا للمفارقة!، في الليل تتفصّد رائحة النبت الشحيح من غرين أجسادنا، نشم عبقه الثقيل يسيل بين متعتنا وأرقنا ويلطخ حلم الماضي وسائدنا، يجري في عروقنا كنهر يتفتح فينا الترف ويجعل لنا يخوتاً وطائرات خاصة وماساً وذهباً وفضة، الحلم ليس سوى خدعة ينبثق ذوباً من الذاكرة والروح، هو مثل برهة أو شهقة عابرة، في ليل الصحراء المرقش بالفرح وحكايا الصيادين ، أخرج من ذاكرتي المزاليج والأقفال كلها، أكمن في إحدى الزوايا البعيدة ، أتعطّر بعبق الماضي، أشهق أنفاسي بالهجيني والحداء، أنثر الأقاويل والتأوّلات حول تلك الرواحل التائهة وقصص الحروب والهلاك والتشفّي ، أنفي الكثير من قصص الطلاسم وكائنات النار والتمائم، فما عدت أراها أو أميّزها في بهجة الحاضر الأبلج البهي، في وسعي أن أصدق هذكلّه إن شئت، لكنني أشيح بوجهي عن بعضه وأنسى الخديعة وسيل الحكايات التي تروى كما يروق لملفقي السرد، غير أنّ الكثير من الناس لا يزالون مشغولين بتأويل الحكاية والارتياب بالتفاصيل وتأويل التأويلات والظنون، والبعض الآخر يرقب بتمعُّن فوضى تفاسير القصص ويتفرّج بحيرة وهو مستلقٍ تحت ظل شجرة، ربما بعض القصص أكذوبة من صنع يأسنا؟ لكنه البعض أشعل حرائق القصص واختفى، وحيد كنت أطوف بذاكرتي فضاء الصحراء الذي يلفقون زمنها ودمها وقصصها الكثيفة، أولئك الذين استقرت الأنانية في أرواحهم المستفزة، الرماد وحده يغبر وجوههم ويحدد عندهم مسارات الكلام، الصحراء في تلك الليالي الثلاثة المقمرة جعلت جسدي يتزمّل كل ليلة وينتشي، الصحراء متاهات رعب، تاريخ يتقافز فيه التيه على حبل من سراب، وحدها نباتات الشري تجاهد لترش نهار الصحراء بشذاها المرّ، وأنا وحدي وسط فضائها الشاسع ،أحاول أن أقطف زهور البوهينيا الليلكية وزنابق ملكة النهار وما تساقط من شجرة الياسمين لعلّني أموّه رائحة المر المنبعث من نبت الشري التي تفوح في وقت الظهيرة، قال لي واحد من الصحبة الفاخرة، إن حاصرتك الصحراء وحيداً فريداً ليس لك سوى الفرار، أحمل زوادة خبز وتمر وزمزمية ماء وأتبع درب المفازة، لا تتريث، لا ترتبك، حتى وإن كان الماء خديعة العبور إلى المتاهة، كن كالرجال المارينزيون شقر وسود وخلاسيون يشربون بما يفيض من أرواحهم المنتحبة ويقلبون أجسادهم على السفافيد،كنت أستمع إليه وأنا مثل الذي يجرجر خطاه الحذرة متنكراً بقناع عاشق يطرق نوافذ حبيبته بزهرة جريحة، الرحلة في عمق الصحراء مليء بالمفاجآت ، لقد بذلت ما في وسعي لأعرف كل شيء وأتفحّص كل شيء وأدوّن المعلومة عن كل شيء وأسأل الرفاق الكبار في السن عن كل شيء، تلك هي حكاية الأيام الثلاثة، كانت غاية في البهجة والمتعة وغاية في الركض وراء اصطياد الطيور التي لا أتقن أسماءها ولا كيف تعيش أو تستقر ولا حتى كيف تهاجر كجماعات أو فرادى، لكنني ازددت رصيداً جديداً أضفته لرصيد حياتي ، واكتشفت خلالها بأنّ في بلادي هجراً وقرى كثيرة لم أرها منذ أمد طويل ، أصبحت الآن كعرائس حسناء ترفل بجدائل طويلة فاتنة تزهو بلون الحناء ورائحة العطر المعجون من شيح وقيصوم وعرعر.

ramadanalanezi@hotmail.com

ramadanjready @

 
مقالات أخرى للكاتب