Wednesday 09/10/2013 Issue 14986 الاربعاء 04 ذو الحجة 1434 العدد
09-10-2013

مراكز ومصادر القوى في المجتمعات

يعتبر علم الاجتماع السياسي أن استقلالية التمويل لأي تيار اجتماعي تمنحه القدرة على الدعاية والانتشار. إذا اجتمع لأي تيار التمويل الكافي والقاعدة الشعبية تحول إلى قوة ضغط ذات قاعدة اجتماعية قد تؤثر في اتخاذ القرارات على مستوى الدولة بكل توابعها ومسؤولياتها. بهذا المفهوم اكتسبت المرجعيات الشيعية في إيران والعراق استقلالية مالية من خلال زكاة الخمس التي يدفعها الناس إلى الملالي، وهؤلاء استغلوها في اكتساب القاعدة الشعبية والدعاية، مما جعلهم أقدر على ممانعة الدولة التي تحكمهم عبر التاريخ.

المفترض أن الدولة في أي مجتمع هي من يمتلك مصادر التمويل الكافي والقدرة على الإنفاق المدني والعسكري لحفظ الأمن، ولديها الأسس القانونية (شرعية أو وضعية) لأداء المهمات والواجبات التنفيذية. عندما يضاف إلى هذه الأركان الثلاثة قاعدة جماهيرية عريضة مرتاحة ومتعاطفة، تكتمل الأركان الأربعة للبناء فتصبح الدولة هي السقف الذي يجب ألا يتعدى عليه أحد ولا يتعداه.

لم تسلم أية سلطة حاكمة عبر التاريخ من محاولات اختبار أو إنهاك، تقوم بها مجموعات صغيرة أو تيارات تبدأ صغيرة ثم ما تلبث أن تشق التربة وتزهر وتنثر البذور لإنبات مثيلاتها في أماكن أخرى.

الأسباب التي تؤدي إلى ظهور مجموعات أو تيارات سياسية معارضة ترتكز دائما ً على الاختلاف على الحصص المعيشية وما تحصل عليه من الثروات الوطنية ومصادر التمويل. الاختلاف على الحصص هو الأصل في أسباب الصراعات الاجتماعية مهما اختلفت الشعارات والعناوين.

في بعض المنعطفات التاريخية تكون الأحوال المالية والإدارية والقانونية الشرعية كلها لصالح الدولة، لكن الظرف التاريخي بتشابكاته بين المحلي والعالمي ومتطلبات التبادل والتعايش السلمي مع العالم يصبح ظرفاً ضاغطاً يملي شروطه لإحداث تجديدات نوعية في الداخل الاجتماعي. هذا الظرف التاريخي بما يفرضه من إملاءات إصلاحية بينة المصالح وسليمة المقاصد، من الممكن جدا أن يستشعر رغم كل إيجابياته من قبل طرف آخر من المكونات الاجتماعية على أنه تهديد مستقبلي محتمل للحصة المعتادة على السفرة المعيشية الاجتماعية.

عبر التاريخ البشري بكامله كان كل تيار معارض يبدأ أولاً بمحاولة التغلغل في مفاصل التمويل المالي داخل مجتمعه (البنوك والمصارف والتبرعات والجمعيات الخيرية)، ويجتهد في طبع قنواتها بمواصفاته لإخضاعها لمصالحه الاقتصادية قدر الإمكان، حتى لو أصبحت التعاملات المالية أكثر سوءاً وأقل عدالةً وأفدح ضرراً على المتعاملين. بشكل مواز أو كخطوة لاحقة تبدأ محاولات التغلغل في التعليم والتثقيف وبرجمة العقول والإعلام، مما يوجد المرتكز الثاني للاستقواء الاجتماعي بعد ضمان التمويل، وهذا يعني الحصول على الانتشار الجماهيري.

إذا تمكن أي تيار في أي دولة وفي أي مجتمع، مهما كانت شعاراته ومسمياته، من مزاحمة الدولة بسكوتها أو برضاها، على شرعنة مصادر التمويل والحصول على أكبر قدر من العوائد المالية مضافاً إليها القاعدة الجماهيرية، يصبح التيار حينئذ قادراً على مزاحمة الدولة في مجالات أوسع بعدما أصبح يشعر بما فيه الكفاية بالاستقلال المادي والتأييد الجماهيري.

هذه البديهيات في علم الاجتماع السياسي نشاهد تطبيقاتها في كل مكان من حولنا، عربياً كان هذا المكان أو أعجميا، ونحن نعيش ضمن هذا العالم وينطبق علينا ما ينطبق على الآخرين.

- الرياض

 
مقالات أخرى للكاتب