Saturday 12/10/2013 Issue 14989 السبت 07 ذو الحجة 1434 العدد
12-10-2013

المحافظون المتشددون بين النسخة السعودية والنسخة الأمريكية 2-2

تحديد معنى المحافظين المتشددين في النسخة السعودية لا يختلف عن تعريفه للمحافظين المتشددين الذي ذكرته في المقال السابق، إلا أن تشددهم يأخذ صبغة دينية، فالمحافظون المتشددون في النسخة السعودية هي الفئة التي تنزع للتحريم، واستقرار معنى الأخذ بالأحوط. وسد الذرائع عندهم على معنى التحريم وليس على معنى أصل الحل، وعلى الأصل التشريعي العظيم بالبراءة الأصلية. (وهذا مرده بسبب الأخذ بأصل الأحوط في سد ذرائع الشرك، وهو في هذا الباب -أي الشرك والعقائد- احتياط واجب وصحيح). ولكن المعاملات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، الأصل فيها أخذ الأحوط بحليتها، باتباع أصل البراءة الأصلية في حل الأشياء لا تحريمها. ولا يخفى على عارف بالشريعة أن النصوص الشرعية -عند المحافظين المتشددين- تُلوى أعناقها أو تُنزل قسرا على الحوادث المستجدة ولو بإخراجها عن أسباب نزولها، ويستشهد بالضعيف دون الصحيح، وتُكتم الأدلة الشرعية المخالفة لآراء المشايخ، كما تُتجاهل السياسة النبوية المكية وكثير من السياسات الخارجية والإدارية للخلفاء الراشدين، التي خالفت ما كان عليه الرسول عليه السلام، لأنها كانت من أحكام الوسائل لا الغايات.

وبعد هذا التعريف للنسخة السعودية من المحافظين المتشددين، فإننا لو تأملنا تجربة نجاح الدولة السعودية الأولى الباهر ثم سقوطها السريع بعد ذلك وما تبعه من سفك دم آبائنا وأجدادنا في الدرعية ونجد وغيرها، ولو تأملنا أيضا ما كان للمحافظين المتشددين من دور فعال في توحيد هذه البلاد وجمع الناس على كلمة واحدة على يد الدولة السعودية الثالثة -القائمة أبدا بإذن الله-، ولكن الملك المؤسس رحمه الله كان يعزل هؤلاء المحافظين المتشددين عن المعاملات الخارجية سياسيا واقتصاديا. وكذلك كانت هي سياسية أبنائه من بعده -رحمهم الله جميعا-. وشواهد هذا العزل في مجال السياسة والاقتصاد الخارجية، أكثر من أن تُحصى. ولو تأملنا كذلك التجارب الناجحة للمحافظين المتشددين هنا وهناك قديما وحديثا لحركات ودول إسلامية وتحقيقها للأمن وإقامة الدين ثم السقوط السريع لها وما تبع ذلك من مآسٍ دينية ودنيوية، في اطراد زمني، كلما حَدُث العهد بالتجربة واقترب من وضعنا اليوم، كلما قَصُر عمر الدول والتجارب الإسلامية الحاكمة أو المؤثرة على السلطة الحاكمة، فإذا تأملنا ذلك وجدنا مُعطيين أساسيين، أحدهما حقيقة والآخر شاهد لها. فالحقيقة هو أن المحافظين المتشددين في النسخة السعودية لا يختلفون عن النسخ العالمية الأخرى، وذلك في قدرتهم على المساعدة والمساهمة الفعالة في توحيد المجتمع وتكوين الدولة، طالما كان ذلك المجتمع منغلقا على نفسه. فإذا ما انكشف المجتمع المُسيطر عليه من المحافظين المتشددين على العالم الخارجي واحتك به، سقطت دولته. وأما شاهد هذه الحقيقة فهو تقاصر زمن هذه الدول والحركات الإسلامية -التي يؤثر فيها المحافظون المتشددون- كلما كانت هذه الدول والحركات حديثة العهد الزمني بنا، وذلك للانفتاح العالمي اليوم المفروض جبرا بانكشاف الحواجز وسقوط الحدود بقوة الاتصالات الحديثة.

فلعلنا نخلص إلى نتيجة من هذه المعطيات أن المحافظين المتشددين سواء أكانوا قوميين أو إسلاميين أو عرقيين، بشهادة التجارب الإنسانية المطردة، هي دعوة قوية تجمع الناس وتوحدهم وتقيم لهم الدولة والأمان طالما أنها تعمل في مجتمع مغلق على نفسه ولم تتعرض للاحتكاك بالمجتمعات الأخرى الخارجية من دول أو ثقافات. فمتى حصل الاحتكاك أسقط المحافظون المتشددون دولهم ومجتمعاتهم، كما حصل في أوروبا وما يحصل الآن في أمريكا وما حصل للدولة السعودية الأولى، بعد دخولهم الحجاز، وما حدث من عزل المحافظين المتشددين عن السياسات والتعاملات مع العالم الخارجي في الدولة السعودية الثالثة، وكما حدث للحركات والدول الإسلامية قديما وحديثا.

ولكن الأمور قد تغيرت. فما عادت الحدود الجغرافية تُشكل عزلا للمجتمعات يمكن أن يعمل فيها المحافظون المتشددون اليوم دون أضرار عظيمة يلحقونها بالعباد والبلاد. فقد انفتح العالم بعضه على بعض غصبا، وأصبح من المستحال عزل أي مجتمع عن العالم الخارجي، وحصر فكره، ولا حتى بتطبيق سياسية كوريا الشمالية الانعزالية الجبرية على مواطنيها. والحقيقة أن المجتمع السعودي بالجملة مجتمع محافظ ثقافياً بالجملة. وهذا يعني أن الاحتكاك بالعالم الخارجي قد أصبح حتما، بل إنه قد بدأ منذ الجهاد الأفغاني ثم حرب الخليج الأولى، وبدأت باكورة ظهور آثار انكشاف الأيدلوجية المحافظة المتشددة وضعفها على الانفتاح العالمي ابتداء بحادث سبتمبر.

hamzaalsalem@gmail.com

تويتر@hamzaalsalem

 
مقالات أخرى للكاتب