Thursday 24/10/2013 Issue 15001 الخميس 19 ذو الحجة 1434 العدد
24-10-2013

بأسُ التقنية وبؤسُها

** حكايات ما قبل الزمن التقني شبيهةٌ بما بعدها؛ فكما كنا وسابقونا نحاول فك أبجديات البث الأرضي حين افتُتحت محطاتُ التلفزيون الحكومي قبل أقلَّ من نصف قرن، فإننا نتعثّر في تهجئة حروف التقنية المجنونة التي لم تدع لنا فسحة وقتٍ للتأمُّل والتشريح، وعجب كبارنا يومًا من مدخلات الصوت الإذاعي ثم من مكوّنات الصورة المتحرّكة، ونعجب بعدهم اليوم من تناسخ التقنية بجديدٍ وأجدّ وامتلائها بهازلٍ ومُجد.

** الجهل المسبق قاسمٌ مشترك بين أجيالنا والتلقِّي السلبي فاصلةٌ سلوكية لازمة فينا إذ كنا وما نزال متأثرين بالتقنية دون أن تتهيأ لنا إمكانات التأثير فيها، ولسنا بِدْعًا؛ فهذه طبيعة الشعوب المستهلكة التي تحيلها التبعيةُ العلميةُ والاقتصاديةُ، إلى مجرّد أرقامٍ صغيرة في دوائر عددية غير نهائية تُنتج فنستقبل وتأمر فنطيع.

** ازدادت الهيمنة الخارجية بسبب التقنية، وصارت “الأبوياتُ” لغةَ الزمن الجديد وتعدّدت صور “سي السيد المتسلّط” بما لم نعهده في ثلاثية محفوظ، وأضيفت إلى الدكتاتوريات واجهةٌ ناعمة صامتة خِدْمية، فسادت وقادت والتأم بها البَأس والبُؤس، فسرنا على الأرض وطرنا في الفضاء دون أن نختار إيقاع السَّير أو وجهة المسير.

** قد نزعم تطورًا لغفلتنا عن تدهور، وربما تتيسّر أمورٌ لانكفاء أمور، وكنا نأثم بفلتات اللسان، فصرنا نوثق باجتراحات البنان، وهان في أدبياتنا الكذب والتكاذب والتلفيق والترتيق؛ فلا يكاد يُعلن خبرٌ حتى يتمَّ نفيه، ولا تُروى حكاية حتى يجريَ تعديلُها وتبديلها، وضِيم حرٌ وتفاصح عييٌ وتصدر متأخر، وتنازلت الثقافة الجادة لتغريدةٍ وصورةٍ وتحليلِ عابرٍ ومُعبِّر.

** تبدو القابليةُ للاستعمار التي اصطلحها “مالك بن نبي” في كتابه شروط النهضة (1948م) معبرةً عن سراب الانبهار وإرهاص الانهيار، وهي ذاتها التي تدفعنا نحو هوامش التقنية فنلاحق موضاتِها ووَمضاتها ونتكئ على مخرجاتها ونشراتها ونتبادلُ السلامَ والكلام عبرها وننشغلُ عن بعضنا بها وببعضنا عن متونها وفنونها، والأهمُّ هنا ماذا ستكون عليه الحال بعد سنوات، حين يرحل الشيوخ والكهول، ويشيخُ شبابُنا ويكتهل أطفالنا، فأيّ علمٍ سيحملونه وأي ثقافةٍ سيقدمونها، وأيّ لوحاتِ مفاتيحَ ستضيء لهم طرقَ التحرّر من التبعية والهامشية وتحميهم من الانحسار والانكسار.

** تهون مصادرةُ الأرض التي قام بها الاستعمارُ القديم عند مصادرة العقول التي تتولاّها التقنيةُ الحديثة أو الاستعمار الجديد ؛ فهل نستعيد عقولَنا كما استعدنا أراضينا حين يتضامنُ التعليم والإعلام في فعلٍ إيجابي يقدم مشروعًا ثقافيًا تقنيًا وطنيًا يبدأ من صفوف الروضة المبكرة، يعتمد التعليمَ عبر الحاسوب، ويسهم في تعزيز قيم الاختبار والاختيار بما ينفي التسطيح، ويكثفُ مبدأ المحاكمة العادلة لما يُذاع ويُشاع ويوظف المهنيةَ التقنية وأصولَ الاستدلال المعرفية.

** الأمةُ اليوم في خطرٍ متيقّنٍ إنْ لم تلتفت لما يلمُّ شعثَها ويوحدُ وجهتها ويُخندق طاقاتِها البشريةَ والتقنية ضدَّ أعدائها، فحِراب أبنائها واحترابُهم في العوالم الحقيقية والافتراضيةِ تيهٌ وخسران.

** الوسائلُ منطقٌ ومنطلق.

ibrturkia@gmail.com

t :@abohtoon

مقالات أخرى للكاتب