Saturday 26/10/2013 Issue 15003 السبت 21 ذو الحجة 1434 العدد
26-10-2013

الشمس والغربال

لم أجهد نفسي في محاولة البحث عن مصدر المقولة المشهورة (الشمس لا تُحجب بغربال) وأول قائل لها، فهي من المسلّمات الطبيعية التي نقولها لكل من يرفع غربالاً ليحجب به الشمس، ضاربين به أحد أصدق الأمثال التي لا يمكن أن يشكك بصحتها أحد. فالغربال مصنوع من أجل تنقية الأشياء الصغيرة، أما العلامات الفارقة، ذوات الأحجام والأقدار العملاقة، فهي كالشموس، ولا يمكن لأيّ غربال أن يفعل معها شيئاً سوى المهزلة!

يوم الجمعة 11 من أكتوبر الجاري، توفي الفنان اللبناني الكبير وديع الصافي، عميد الفن الغنائي اللبناني والعربي، الذي اصطلح الناسُ منذ زمن طويل على تسميته (صوت الجبل الشامخ) عن عمر يناهز 92 عاماً، تاركاً للدنيا تراثاً فنياً يتجاوز خمسة آلاف من الأغاني والمواويل والألحان والمسرحيات، وقد كان منذ صباه مطرب لبنان الأول، وقال عنه الموسيقار المصري الراحل محمد عبد الوهاب إنه أجمل وأقوى صوت في الشرق كله على الإطلاق؛ غير أن علاقة وديع الصافي بالسلطات والحكومات المتعاقبة على بلاده لبنان كانت بين مد وجزر، حتى أنه قد أصبح لو أردنا الرصد بدقة أكثر فنان تعرّض في بعض مراحل مشواره الطويل إلى محاولات التهميش (والتطنيش!) والاستبعاد من قبل المسؤولين وأصحاب القرار الإداريّ في دولته، وفي مراحل أخرى من حياته كان أكثر الفنانين المكرمين بالأوسمة والنياشين والألقاب من رؤساء وزعماء ومسؤولين في بلاده نفسها!

وفي يوم تشييع جثمان وديع الصافي كانت المواجهة الحاسمة بين قيمة الفنان عند أهل الفن وعامة الشعب وخاصته من جهة، وبين مزاج القابضين على شؤون السلطة في دورتها الحالية المؤقتة من جهة مقابلة.. وكان ذلك بمطالبة من قبل الفنانين الكبار ونقابة الفنانين التي ترأسها سميرة بارودي بأن يتم الإعلان عن حداد رسميّ في البلاد، كعادة لبنان في وداع رموزه الكبرى، فأرسلت الخطابات إلى رئيس الجمهورية الذي رد عليها بأن تلك مسؤولية رئيس الحكومة فأعيد إرسال الخطابات نفسها إلى رئيس الحكومة فلم يرد عليها (!) ماذا حدث بعد ذلك؟ لم تحجب الشمس بغربال، بل كان تشييع الجثمان حدثاً اتشح من أجله لبنان كله بالسواد، ولم يحقق أصحاب الغربال سوى أن جلبوا اللوم على أنفسهم وتضجّرت منهم جبال لبنان التي تعرف مطربها جيداً، فلم يكن للأوسمة التي تم إرسالها (للترقيع!) على النعش من قيمة سوى أنها تعترف بأن قيمة الإبداع تتجاوز حدود القرار..

خلاصة القول: طالما توالت على الحياة شموسٌ ثقافية وأدبية وفنية، تسطع في عالمنا إبداعاً يحمل قيمة خالدة تتناقلها الأجيال، سيظل هناك من تصل به القرارات المؤقتة وتضعه في منصب من يحمل غربالاً يحاول به أن يحجب شمساً ويفشل؛ فتلك طبيعة الحياة التي عرفها من عرفها وجهلها من جهل..!

* * *

من أجمل ما لحّن وغنّى وديع الصافي، للشاعر الغنائي اللبناني الراحل طعان أسعد:

(لا عيوني غريبة

ولا صوتي غريب

ضيّعني حبيبي

ومن حدّي قريب..)

ffnff69@hotmail.com

الرياض

مقالات أخرى للكاتب