Saturday 02/11/2013 Issue 15010 السبت 28 ذو الحجة 1434 العدد
02-11-2013

عن ديمومة السلم الاجتماعي

فرنسا ليست بخير، هذا هو الانطباع السائد في الصالونات الفكرية وفي التقارير المؤسساتية الفرنسية البارزة. فالدولة تعاني أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية قل نظيرها إلى حد أن مجلة لوبوان الفرنسية Le Point في أحد أعدادها عنونت مجلتها: “كيف تولد الثورات، هل نحن في سنة 1789؟”؛ وكما هو معلوم فالثورة الفرنسية اندلعت عام 1789 في مرحلة من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية أثرت بشكل بالغ

على فرنسا وعلى كل الدول الأوروبية، انهار خلالها النظام الذي كان قد حكم فرنسا لعدة قرون في غضون ثلاث سنوات. وخضع المجتمع الفرنسي لعملية تحوّل مع إلغاء الامتيازات الإقطاعية والأرستقراطية والدينية وبروز الجماعات السياسيّة اليساريّة الراديكالية إلى جانب بروز دور عموم الجماهير وفلاحي الريف في تحديد مصير المجتمع.

بدأت الثورة الفرنسية في عام 1789 وتم إعلان الجمهورية الفرنسية الأولى في سبتمبر 1792 وأعدم لويس السادس عشر في العام التالي. في عام 1799 وصل نابليون الأول إلى السلطة وأعقب ذلك إعادة النظام الملكي تحت إمرته وعودة الاستقرار إلى فرنسا. استمر عودة الحكم الملكي واستبداله بنظام جمهوري لفترات ممتدة خلال القرن التاسع عشر؛ كما امتد تأثير الثورة الفرنسية في أوروبا والعالم، بنمو الجمهوريات والديمقراطيات الليبرالية وانتشار العلمانية وتطوير عدد من الأيدلوجيات المعاصرة.

الآن فرنسا تعاني من زمرة من المشاكل المستعصية: أزمة اليورو، الدين العمومي المرتفع، تبعات الأزمة الاقتصادية لسنة 2008، أزمة سياسية خطيرة مع واقعة الوزير الفرنسي كاهيزاك Cahuzac الذي يتوفر على حساب بنكي سري في سويسرا تتعدى قيمته ستمائة ألف يورو، حيث استقال من منصبه ووضع تحت التحقيق للخداع الضريبي مما دفع الرئيس الفرنسي الى نشر قائمة لممتلكات وزرائه على الانترنت؛ كما أن هناك أزمة قيادة في فرنسا وأزمة مؤسسات. وهي نفس العوارض التي كتب عنها علماء التاريخ في الثورة الفرنسية، فالنظام الفرنسي لسنة 1787 عانى من ظرفية اقتصادية خانقة أدت إلى نقص المواد الاستهلاكية الأولية والارتفاع الصاروخي للأثمنة، وفي 14 يوليوز 1789 وصل ثمن الخبز إلى أعلى مستوياته؛ في هاته الحالة، حاولت فرنسا استيراد تلكم المواد ولكن خزينتها كانت فارغة إضافة إلى مديونيتها الكبيرة منذ عهد فرانسوا الأول. الدولة الفرنسية كانت دائما تعتبر نفسها دولة قوية فتنفق أكثر من مداخيلها، وكان لهاته السياسة نتائجها السلبية.

في تلك الفترة، وقبلها بقرنين، عاشت فرنسا في مديونية فائقة حيث توزع الربع لأصحابها؛ كما أن فرنسا في تلك الفترة كانت دولة القانون العرفي: الاستثناءات الضريبية، توزيع المصالح... واضعة الغنى في يد فئة من الارستقراطيين والدينيين،كما أن مدير المالية الملكية القوي في تلك الفترة نيكر Necker مول الحرب الفرنسية الأمريكية وقرض المال من بعض الأبناك الهولندية والإنجليزية، وفي مرحلة رد الدين قضت الفوائد على ميزانية الدولة... بريطانيا عانت في تلك الفترة من نفس المشاكل ولكن جورج الثالث تعاون مع وزيره الأول بيت Pitt ودعم معه سياسات تقشفية إلى أن قضيا على الأزمة خلافا للويس السادس عشر الذي لم يمد يد المساعدة إلى مدير المالية الملكية مخافة رد فعل الأرستقراطيين دون نسيان عدد الساكنة في بريطانيا (8 ملايين نسمة) مقابل 22 مليون نسمة في فرنسا في تلك الفترة، فالإصلاحات المالية مرت بسهولة في بريطانيا خلافا لفرنسا التي وصلت إلى المأزق السياسي الخطير.

الدولة في تلك الفترة كاليوم لم تعد قادرة على رد الديون بسبب الإفلاس مع فارق بسيط هو أنه في تلك الفترة كانت الدولة تحت رحمة المستفيدين من اقتصاد الربع الذين يطعمون خزينة الدولة، أما اليوم فالدولة تخضع سياسيا للفرنسيين الذين تقوم بتمويلهم.... وحسب العديد من المحللين النابغين، حكومة هولاند ليست في الحركية السياسية الصحيحة وهي غارقة في مستنقع الدفاع الظرفي عن النفس... قصة وزير الخزينة الفرنسي تحمل درسين كبيرين: مسألة الضريبة ومسألة النخبة السياسية الحاكمة. وزير الضريبة يتهرب من الضريبة! يا لها من مفارقة عجيبة.

ثم إن الشعب سيفقد ثقته في الحاكم؛ إذ كيف يعقل أن الذي يفرض الضريبة يتهرب منها شخصيا ليفرضها على الكادحين من الشعب الفرنسي؛ وإذا كان وزير الضريبة يتملص من الفريضة الضريبية فإنه فقط شجرة تستر غابة من المفارقات العجيبة؛ ولا أتحدث هنا فقط عن الأفراد ولكن أيضا عن المؤسسات والفاعلين الكبار، بمعنى أن الوزير كاهيزاك يدفع ثمن الجميع باستقالته ومحاكمته.

هاته العوامل تضع الرئيس الفرنسي في مأزق سياسي كبير: مأزق الحكم. لكي تحكم لابد من قبول العديد من الأخطار وأن تتحدث عاليا في مجتمع تكون الصحافة ووسائل الإعلام فيه ضد تيار الحكم، وأن تقول في نفسك: الكلاب تنبح، والعربة تمر....

لويس السادس عشر خلق نظاما قويا شموليا إقطاعيا. ونفس الشيء يقال عن الجمهورية الخامسة الفرنسية من طرف دو غول De Gaulle: الدولة القوية له... والمصيبة هو أنه عندما تخلق دولة قوية ويحكمها إنسان ضعيف. هذا الكلام يطبق على لويس السادس عشر ونتمنى أن هذا التشاؤم الذي أتت به المجلة لا ينطبق على الرئيس هولاند. وهنا نستحضر نقطة حكيمة قالها الكونت ميرابو في القرن الثامن عشر”المديونية العامة كانت هي البذرة التي أعطتنا الحرية. وأخاف إن استمرت ونحن نعيش فيها أن تسلبنا الحرية التي وهبتنا إياها”. كما أن الثقة هي الوقود المحرك في هذا كله...فالثقة بين الدولة والمجتمع والتي شهدت في العقود القليلة الأخيرة انخفاضا حادا بكل المقاييس المتوافرة في العديد من الدول، تلك الثقة التي لن يتمكن تصحيح ضريبي من النجاح إلا بالاستناد إليها، لا يمكن أن تعزز إلا إذا شعر كل مواطن بأن دولته قد بادرت إلى الاستقواء بمجتمعاتها كي تقاوم معه، وبه، مشاريع الهيمنة والوصاية والتدخل، وكي تثبت معه ركائز عقد جديد بين الدولة والمجتمع وتقوي تماسك اللحمة الحامية للدولة من مؤسسات بناء على قواعد جديدة عكس ما نراه في دول ما بعد الربيع العربي.

إن أولى الأولويات التي تنتظر بعض الحكومات كمصر وتونس هي إصلاح بعض الأنظمة الاقتصادية وذلك بدعم القوة الشرائية والتحكم في الأسعار من خلال قانون العرض والطلب أو قانون المنافسة؛ ومن خلال الدخل المتاح للأسر وذلك بالزيادة في الأجور من جهة أخرى؛ فالمسؤولون الجدد، بحفاظهم على القوة الشرائية بواسطة الدعم، يظنون أن القوة الشرائية تعتمد فقط على أسعار السلع التي لا يمكن تخفيضها أو على الأقل لا يمكن الحفاظ عليها إلا بواسطة الدعم، غير أن هذا غير صحيح لأن العلوم الاقتصادية تخبرنا أنه يمكن الحفاظ على القوة الشرائية من خلال العمل على الأسعار أو أكثر من هذا، العمل على دخل الأسر.

كما أن إصلاح بعض الأنظمة الاقتصادية يجب أن يتم في إطار مقاربة جديدة تقوم على الاستثمار الاجتماعي انطلاقا من مقولة الصينيين القدماء (لا تعطيني سمكة كل يوم، ولكن علمني كيف أصطاد) بمعنى أن توفير فرص الشغل وتشجيع الاستثمار والمبادرات الفردية هي خير وقاية من الهشاشة وأكثر تثبيتا للسلم الاجتماعي وليس الصدقة محدودة الأثر والتأثير على الساكنة وذات الثقل المستمر على ميزانية الدولة.

مقالات أخرى للكاتب