Friday 18/04/2014 Issue 15177 الجمعة 18 جمادى الآخرة 1435 العدد
18-04-2014

ذكريات الرفاعي

هاشم الرفاعي عراقي طبع مذكراته عام 1939 ميلادية، وهو ما يوافق 1358 هجرية، وسماها ذكرياتي، وقد تناول فيها بعضاً من المواضيع المتنوعة أعطي كل موضوع عنوان بذاته، وكانت لغته سهلة وعلى هيئة سرد بسيط دون تحليل عميق، وإن كان يبدي رأيه في بعض المواقف طبقاً لما يراه، أو يريد أن يظهره.

وفيما يبدو أن هناك شيئاً ما في شخصية الرجل رحمة الله جعلته ذا نزعه قوية في بعض طرحه فيما يخص مواضيع معينة، وربما أنه يريد تبيان توجهه بجلاء غير قابل للتأويل، رغبة في أمر هو الأكثر علماً به.

وفي مقدمة مذكراته أورد عنوناً سماه «كلمة لابد منها» بدأ تلك المقدمة بقوله «ابتلاني الله» فقلت ربما أنه قد أصيب بمرض عضال لا يرجا برؤه، وإذا به يشخص ذلك المرض الذي اشتد فتكه، وتأصل فتضاعف بلاؤه، لا يعدو أن يكون انصرافه كما يذكر عن كل مهنه، عدا مهنة القلم، وهو يختار كلمات قوية لإظهار اقتصار عمله على الكتابة، لكنه يندب حظه الذي جعله كاتباً فقط فيذكر أنها سبب شقائه ونكبته في الحياة.

وأنه قد عشق الكتابة في الصحف السيارة كما يسميها عشقاً بلغ درجة الهيام، دون أن يدرك منها وطراً، أو يبلغ بعشقه لها منفعة، فعشقه لها كما يقول كعشق ابن عامر لليلاه.

العشاق كما أعلم ينعمون ويسعدون بعشقهم أثناء تفاعلهم مع ذلك العشق، وتنعمهم بالتفكير فيه، ولا أعلمهم كارهين له، إذا ما حال دون بلوغهم وطرهم حائل.

وهو يقول أنه قد خط بقلمه آلاف المقالات في الصحف العراقية، خلال خمس عشرة سنة كان نصيبه المادي منها صفراً على الشمال، وهو مع هذا يعشق الكتابة حتى الهيام، فأي نكبة وبلاء يذكر رحمة الله وهو يستأنس بمن يعشق، ويخالطه آلاف المرات.

ثم يردف قائلاً كلاماً عجيباً لا أرى لإيراده داع، غير أن كلماته فيما يبدو تنم عن شخصيته. ويقول ما نصه «إن صفقتي الخاسرة في سوق القلم لو اقتصرت على عدم الربح المادي وحسب لهان الأمر، غير أن بلاء يهون عنده كل بلاء، ظل يلازمني في هذه المهنة ملازمة الظل فهو رفيقي حيث اتجهت، وخويي أينما كنت، وأي بلاء أعظم وأخطر وأقسى من بلاء الصراحة مع وجود التطبيل والتزمير».

أولاً لابد من ملاحظة إيراده لكلمة خويي، وهي من المفردات الدارجة، التي ربما يكون أوفق لو أختار التعبير عما يريد قوله بمفردة أخرى، وأيضا اختياره الكلمات القوية مثل تطبيل وتزمير، وابتلاء وغيرها.

ويردف قائلاً ما نصه «ابتليت بداء الصراحة كما ابتليت بداء الكتابة، فتضاعفت نكبتي، وكنت وأنا فوق صهوة جوادها الجموح، كمن يمشي في أرض مسبعه وقد ظل الطريق».

تشبيه جميل لوصف حالته النفسية وتجسيدها، وإظهار آلامه.

وهو فيما يبدو قد أوصدت الصحف أبوابها في وجهه لصرامة طرحه، وصراحة نقده، ويذكر أنه قد أستسلم للخمول مكرهاً، وركن إلى البطالة مضطراً، كما يذكر أنه قد أجرى التمارين الطويلة في مدرسة ترويض النفس على الزلفي والتطبيل والنفاق، فكان نصيبه منها الرسوب.

إنه استخدم لمفردات قد لا يكون من المناسب استعمالها، والأمر أيسر وأسهل من ذلك، فإذ لم يكن المجال متاحا لك إلا في حدود فالزم الحدود، وأرض الله واسعة، وميدان الحياة زاخر بمجالات النجاح دون الملامات الظاهرة، والانتقادات القاسية.

ومن الغريب أنه بدأ مذكراته بصورة فوتغرافية سطر تحتها كلمات فيها من التبجيل ما لا يتفق مع طرحه.

ومن الإنصاف أنه لم يقل إلا خيراً فيما يخص هذه الأرض الكريمة، أو مؤسسها الملك عبدالعزيز-طيب الله ثراه- وهو الذي يذكر أن والده قد عرف الإمام عبدالرحمن الفيصل -رحمه الله- عندما كان في الكويت، وأن صلة صداقة قد نشأت بينهما وأنه وهو في السنة الرابعة من عمره يصحب والده، في الوقت الذي كان الملك عبدالعزيز-رحمة الله- يصحب والده في ذلك الوقت، ويذكر أنه كان يقرأ القرآن على يد الملا الذي يتلقى أشبال الإمام رحمهم الله جميعاً على يديه آي الذكر الحكيم كذلك.

وهو يعزي استدعاء الملك عبدالعزيز له للخدمة تحت كنفه إنما كان منبعثاً من تلك العلاقة القديمة التي تمت في الكويت، حيث تم استدعاؤه من خلال الوكيل الشخصي لجلالة الملك عبدالعزيز في الكويت، وطلب مقابلته في الأحساء، وقد طلب منه عبدالله الدملوجي المعروف» بالأفندي» أن يقترح الراتب السنوي الذي يكفيه، فطلب أن يكون 2500 ربية لكن الملك عبدالعزيز ضاعفها إلى 5000 ربية.

والمذكرات مليئة بالقصص الجميلة والطريفة، والتي تنم عن طريقة تعامل الملك عبداالعزيز رحمه الله ومواقفه من الأحداث السائدة في ذلك الوقت.

مقالات أخرى للكاتب