09-08-2014

الذَّوقُ فَنِّيّْاً: (2-3)

قال أبو عبدالرحمن: مفهومُ الجمال أنه وِجدان نفسي مخصوصٌ، وأنه وجدانُ بهجةٍ وسرور، وهذه البهجة لا تَتَحدَّد إلا بِظلالٍ من معاني مفردات كثيرة كاللذة والحلاوة.. إلخ.. ومفهومُ الجميل أنه شيء خارج الوِجدان النفسي لا يكون جميلاً حتى يصدر عنه من إدراك الحواس بحضور العقل بهجةٌ وسرورٌ ولذة.. إلخ،

ثم تختلفُ درجاتُ عُلوِّ جماله باختلاف مدارك مُتَلَقِّي الجمال ومبتدعِ ما هو جميلٌ علماً وثقافة وأخلاقاً وتديُّناً.. إن الجمال والجميل لا يخضعان للتأصيل إلا باحتواءِ معاني المُفْرداتِ التي يُعَبَّر بها عن الجمال والجميل، واحتواءِ معاني مرادفاتهِا وأضدادها، ثم يُنَسَّق من كل ذلك ظِلالٌ مُترابطةٌ غيرُ مُنْقطعةٍ؛ وذلك تنسيقٌ من معاني كلِّ الكلمات المعبَّر بها عن كلِّ ما هو جميلٌ أو جمالٌ.. والمُراد بالتَّرادُفِ ترادفُ التطابُقِ أو الجُزْئيةِ مع ضرب الأمثلة، وما أشدَّ ضرورتَها؛ لأن الأمثلة شارحةٌ مفيدةٌ التصوُّر بسرعةٍ، ولا فهم إلا بعد التَّصَوُّرِ.. وهناك مصطلحات لا تُحقِّق مفهوماً جمالياً إلا على طريق التشبيه كالحلاوة؛ فليس في الفن ما يتَّصف بحلاوة تُذاق بطرف اللسان؛ وإنما تجوَّزوا في التعبير على التشبيه.. أي تشبيه أثر الفن الجميل في النفس بأثر ما كان مَذاقُه حلواً.. وقل مثل ذلك عن البرودة والعُذُوبة.

قال أبو عبدالرحمن: تكاد لا تُحَصِّل مفهوماً مُعَيَّناً للتعريفات المشحونة بوسائطَ مجازية كالحلاوة والبرودة والإشراق.. وفِكْر النص الأدبِيِّ هو كل جزئية منه، أو ظاهرة فيه تصوراً، أو تصويراً، أو تخيُّلاً، أو استدلالاً حصلت بالعملية العقلية التي تُسمَّى لغةً تفكيراً.. وفِكْرةُ النص تأتي لِمُلَخِّص أفكارِ النص وجامِعِها.. وتأتي الفكرةُ بهذا المعنى مرادفةً الموضوعَ إذا كان النص كله فكرياً؛ فقصيدة السياب (رؤيا فوكاي) فكرتُها هي المُلَخِّصَة الدمارَ والتوترَ في العالَم الجديد، وأفكارها مدلولُ وإشاراتُ الأساطيرِ والأقنعة التي وظَّفها، وذلك هو الموضوع نفسه، إلا أن الموضوع أشمل من الفكرة التي هي نتيجة عملياتٍ عقلية.. والمعنى دلالة الكلام لا مجرد لغته؛ فهو أفكار النص، ويطلق عليه المعنى تجوزاً، وهو معنى المعنى.. والتأويل والمعنى الكلي للنص -غير معانيه الجزئية- هو موضوعُ النص، وملخَّص فكرته.. والمادة في النص الأدبي مُكَوِّناتَ لفظه ومعناه؛ فاللغة القاموسية الفصيحة، والتراكيب التراثية، أو المبتكرة، أو المترجمة: مادَّتُه اللفظية.. والثقافة الشعبية، أو الأسطورية، أو التاريخية المأثورة، والفلسفة الفلانية هي مادته المعنوية.. إلخ.. والمحتوى أعمُّ العموماتِ في النص الأدبي؛ فيشمل الألفاظ ومعانِيها وصُوَرَها وأفكارَها.. وعن الذوقِ الفنيِّ قال الدكتور التونجي: ((الذوق هو أحد مقاييس النقد الأدبي عند العرب، وهو قوة منبثَّة في العصب المفروش على جرم اللسان تُدرَك به الطعومُ بِمُخالطةِ الرطوبة اللعابية في الفم بالمطعوم ووصولها إلى العصب، وهو حِسٌ ينشأ من تنبيه أعضاء خاصة تنتشر في اللسان، ويُدْعى حِسُّ الذوق؛ وهو حِسٌّ معنوي يصدر عن الإنسان للتمييز بين النشاطات الأدبية والفنية، وهو أيضاً ما يُدْعَى بملكة الإحساس بالجمال، ويسهِّل في مَعْرِفةِ قِيَمِه.. وقد ظهر التذوق الأدبي عند العرب قديماً، ودخل ميادين البلاغة والنقد، ولم يُعرف في الغرب إلا في القرن السابع عشر مع ظهور النزعة الكلاسيكية الحديثة.. ويسمو الذوق الأدبي بالمطالعة والدراسة، ويتطور من عصر إلى عصر؛ لأنَّ لكل عصر ذوقَه.. وهناك خاصٌّ [يعني ذوقاً خاصاً] ينفرد به الشخص أو النزعة، وذوقٌ عام هو السائد بين الناس في العصر))..[المعجم المفصل في الأب 2-466].

قال أبو عبدالرحمن: المُحقَّق أن الذوق العلمي ما صدر عن قوة الموهبة من حيثُ كمالُها في الإدراك كما قال الكفوي، وهذا الكمال يأتي فطرةً، ويأتي اكتساباً من كثرة التحصيل العلمي والمِران عليه، أو لِحصولِ الحكمِ العلمي بداهةً بدون طولِ تأمُّلٍ ولا تعليل أو تدليل؛ ولكونه صواباً أشْبَهَ أن يكون فطرياً بحتاً كالحدس [يريد رؤية العقل المباشِرة، والحدسُ أعمُّ من ذلك].. وأما الذوق الجمالي فالأظهر فيه الفِطريَّة إلا أنه يتغيَّر ويتطور حسب التربية؛ فيجتمع التحصيل والفطرية معاً.. إن الذوق الجمالي إحساس مباشر، والذوق العلمي حُكمٌ وتقدير وحِذقٌ مباشر للقيم الخُلقية والمنطقية، والطبع عنصر مُشترَك في الذوقين العلمي والجمالي، والحذقُ هو العنصر البارز في الذوق العلمي والنقد الفني..وأمَّا الفِطنة فهي من مقوِّمات الطبع، وليست امتزاجاً بين الطبع والحذق كما قال الآمدي.. وأضرب المثال بقائمةٍ من المفردات أوردها (ريمون بولان) تتناول الجمالَ والأخلاقَ (الاستاطقيا) (علم الجمال / نشأته وتطوره) عام 1984 م، وقد أورد الدكتور ثروة عكاشة قائمة ريمون في المعجم الموسوعي ص 484- 485.. قال ((الدكتور ثروت عكاشة: ((حلَّل ريمون بولان مسألة القبح والخطأ والشرِّ في الجدول الآتي: بشع، ومرعب، ومتطرف غير معتدل، ومتجاوز الحد، وتافه متحذلق، و يفقد الخيال ويعجز عن الإبداع، وفخم، ومنتفخ سطحي مسطَّح، وعادي، ودون المتوسط بين بين، وزَرِيٌّ منَّمق، ومضطرب، ومُشوَّه بلا شكل محدَّد، ووحشي، ولا متناسب، وغريب غير مألوف شائِهٌ، وباعث على الاستهزاء، ومضحك، وثقيل [نابٍ، أو مُستغْرَب]، وباهت غث هش، ومتصنَّع، وشنيع معيب)).

قال أبو عبدالرحمن: بغير إتقانِ المعاني بالمنهج الذي أسلفته تكون التعريفاتُ مِزاجيَّة شِبْهَ تحكُّميَّة كما في قول الإمام أبي محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: ((الحلاوة دقة المحاسن، ولطف الحركات، وخفة الإشارات، وقبول النفس لأغراض الصورة وإن لم تكن هنالك صفات ظاهرة.. والقَوام جمالُ كل صفة على حِدَتها، ورب جميلِ الصفات على انفرادِ كل صفةٍ منها باردُ الطلعة غيرُ مليح ولا حسن ولا رائع ولا حلو.. والروعة بهاءُ الأعضاء الظاهرة مع جمالٍ فيها، وهي أيضاً الفراهة والعتق [يعني الأصالة العريقة].. والحُسْن هو شيئ ليس له في اللغة اسم يُعبَّر به غيرُه، ولكنه محسوس في النفوس باتفاق كل من رآه، وهو بُرْد مكسوٌّ على الوجه، وإشراقٌ يستميل القلوبَ نحوه؛ فتجتمع الآراء على استحسانه وإن لم يكن هنالك صفات جميلة؛ [هذا هو جاذبيَّةُ الأرواح في الملاحة] فكل من رآه راقه واستحسنه وقَبِله [قال أبو عبدالرحمن: ليستْ هذه صِفةَ الحب الروحاني في الملاحة، بل الحب الروحاني مُتَمَيِّزٌ بِخصِّيصَة اتفاق الأرواح وَائْتِلَافِها؛ فإن ما تَوافَق منها اْئَتَلَفَ، وما تفارق منها اِخْتَلَفَ، ورحم الله محمد بن داوودَ الظاهريَّ القائل:

وما الحبُّ من حُسْنٍ ولا من سماجةٍ

ولكنه شيءٌ به الروحُ تَكْلَف

ورحم الله الشاعرَ العاميَّ القائلَ:

ترى اِلْمكلْفْخ يجي مَمْلُوحْ والزينِ مَنْ دَقَّتْ اشباهِهْ

وقد أسهبت عن هذه الظاهرة في مناسبةٍ غير هذه المناسبة؛ فَحُبُّ المُكَلْفَخْ لا يكون إلا في الحب الروحي إذا توافقتْ الأرواح، وحُبُّ (مَنْ دَقَّتْ أشباهه) لا يكون إلا في الجمال المكتَسَبَةِ مُقَوِّماتُهُ من أوصاف الموضوع خارج الوِجْدانِ النفسِيِّ (ما هو جَميل)، وهو مع هذا لا يُثِيْرُ شَجىً قلبياً؛ وإنما هو اسْتِحْسانُ صنعةٍ؛ وهذا ضِدُّ ما قاله أبو محمد: ((وإن لمْ يكنْ هناك صفاتٌ جميلةٌ))، بل استحسانُ الصفات الجميلة موجود، وهو استحسان صفةٍ لا تثير شجى ولا جوى في القلب].

قال أبو عبدالرحمن: إذا تأمَّلْتَ الصِّفات التي ذكرها أبو محمد، وحكم بأنك إذا تأمَّلْتَها أفراداً لم تر طائلاً، وكأنه شيء في نفس المرئيِّ تجده نفسُ الرائي، ثم قال: ((وهذه أجلُّ مراتب الصباحة [نعم هذا صحيح، وليس هو الحب الروحاني في أعماق القلب].. ثم تختلف الأهواء بعدها؛ فمن مُفَضِّلٍ للروعة، ومن مفضل للحلاوة.. وما وجدنا أحداً قط يُفضِّل القَوامَ المنفرد.. والملاحة اجتماع شيء بشيء مما ذكرنا)).. [مداواة النفوس - ضمن رسائل ابن حزم الأندلسي 1-375 376].

قال أبو عبدالرحمن: تذكرت بهذه المُناسبة ما جرى للإمامين أبي عمر ابن عبدالبر، وأبي محمد ابن حزم رحمهما الله تعالى عندما كنت أقود أبا تراب بسيارتي في شارع الوزير مُتَّجهين شمالاًً بعد صلاة العشاء، ولم يكن أبو تراب من لداتي في قريتي المدينة؛ وإنما كان يجمعني به التوافقُ على مذهب الظاهرية قبل أن أكون مُعْتدِلاً طالباً البرهان عن ورع، فتعارفنا مراسلةً، ثم تواشجت الصلة لما قصدته في جُدَّة، وبحثتُ عنه في شُقَّته؛ فهلَّلَ ورَحَّبَ، وصار يزورني في الرياض وأزوره في الحجاز مع مُنَغِّصاتٍ من عَرْكِ الأذن في الصحافَة؛ فلما أشملنا في شارع الوزير مرَّت بنا ذاتُ قَوامٍ مستورٍ بالثياب يتناسق ما بدا منه بِسِترِ الثياب قَوامٌ مُعْتَدِلٌ يُناسِب ما ظهر من أرداف وعجيزةٍ لا تحيف على الْكِشْحِ الهضيم، وأنا أمشي بالسيارة خَلْفَها جهة اليمين على مَهَلٍ؛ فصار أبو تراب يتغَنَّى بمثل هذا القَوام في أشعار العرب؛ فلما قَرُبنْا من المَقْبرة شمالَ شارعِ الوزير، قال: (تَقَدَّم وتجاوزها) وكانت قيادتي للسيارة رديئة جداً، ويحصل منِّي تفحيطٌ لا عن قصدٍ، بل عن جهل بالقيادة، فقلتُ (يا أبا تراب: لك النظرة الأولى، وليست لك الثانية)؛ فقال: ((يا زَاهِري [أي ظاهري] أنا تجاوزتُ سبعين عاماً، واحْدَوْدَبَ الظهر مع ضعفٍ في الصحة، وآثارِ مرضٍ، وحظِّي إن شاء الله من الحور لا مِن اللائي في الدور))؛ فَلَمَّا تقدَّمت وحاذيتها التفت إليها فضحك وهو يُرَدِّد (لا حول ولا قوة إلا بالله) ثم قال: (تَقَدَّم لا تَظُنُّ بنا سُوءاً)؛ فقلت: (إن كان هناك سوءٌ فقد حصل)؛ فتجاوزت المَقْبرةَ مُتَّجهاً إلى بيت صديق دعانا للعَشاءِ؛ فتذكرتُ قِصَّةَ الإمامين؛ إذْ فوجئ أبو محمد ابن حزم بمثل هذا القَوام؛ فقال: (وَيّْ !!.. صورةٌ حَسَنةٌ)؛ فقال الإمام أبو عمر ابن عبدالبر رحمهما الله تعالى: (لعلَّ ما بدا لك غيرُ ما سترته الثياب)؛ فقال أبو محمد قصيدته المليحة التي لم يبق منها إلا بِضْعَةُ أبياتٍ):

وذي عَذْلٍ فيمن سبانيَ حُسْنُهُ

يُطيل ملامي في الهوى ويقولُ

أفِيْ حُسْنِ وَجْهٍ لاحَ لم تَرَ غيرَهُ

ولم تدْرِ كيف الجِسمُ أنت قتيلُ؟

فقلتُ له أسرفتَ في اللومِ ظالماً

فعنْدِيَ رَدٌّ لو أشاءُ طويل:

ألم تَرَ أنِّيْ ظاهريٌّ وأنني

على ما بدا حتى يقومَ دليلُ

قال أبو عبدالرحمن: لو بدا من تحت الثياب في قَوامِ صاحبة أبي تراب ورمٌ أو بهق أو برص لكره القَوام في مثل هذا القَوام بعينه، ولكن بدا له من أمام القوام وجه فاحمٌ جداً، ودمامةٌ مع شفةٍ مُتَهَدِّلة كخُفِّ البعير؛ فَكَرِ هَ مثل هذا القَوام بعينه، وإلى لقاء قريبٍ عاجلٍ إن شاء الله تعالى، والله المستعان.

- عفا الله عنه -

مقالات أخرى للكاتب