17-09-2014

الأطراف المتنازعة تشرب من نفس الحوض القديم

وجه القصور في كتابات الرأي النخبوية في العالم العربي هو عدم وصولها إلى المستحق. جزء كبير منها كتابات تنويرية متميزة وغير متحيزة، لكنها مكتوبة لنخبوي آخر يمتلك نفس الخلفية الفكرية المستنيرة. الوضع شديد الشبه بالثري الذي يوزع زكواته على أفراد أسرته. كاتب الرأي النخبوي العربي يستنكف من الكتابة في صحيفة أو مجلة تقرأها الجماهير الأقل ثقافة واستنارة، رغم أن هذه الجماهير هي المستحق الأول ويجب أن تكون أيضاً المستهدف الأول. التعليل الجاهز يدعي أن تلك الطبقات الأدنى ثقافة لن تستطيع فهم ما يكتب. أليس من الأولويات المتوجبة على كاتب الرأي التنويري أن يتنزل ويتبسط، في أسلوبه وتعامله مع الأفكار؟، بلى على ما أظن.

أحد هؤلاء الكاتب التونسي دكتور السوربون محمد الحداد. أقرأ له بشغف، وأتمنى فقط أن لو وسع طريقة تواصله، من الوسائط النخبوية إلى الساحات الجماهيرية. في صحيفة الحياة عدد يوم الأحد 14-9-2014م قرأت للسيد محمد الحداد مقالاً بعنوان: لا اعتدال ولا وسطية من دون عقل وتنوير. دون استئذان (لأن الأفكار المطروحة تصبح حقاً مشاعاً للجميع) أقتبس من مقاله فقرتين. يقول الحداد في ختام مقاله:

«ثقافة الإرهاب ليست ثقافة الذين يقطعون الرؤوس فحسب، وإنما ثقافة كل من ينقطعون عن العالم الحديث وقضاياه وحلوله، ومهما قلبنا النظر نرى أن توظيف الإرهاب لا ينجح إلا في المجتمعات التي تتميز بالقابلية لذلك». انتهى الاقتباس الأول.

وفي وسط مقاله يقول الحداد: «ما يصنع الإرهاب هو الثقافة، أي الطريقة التي يتعامل بها بعض الناس مع التحديات التي تواجههم، فيمكن لمن يواجه الاستبداد السياسي أن يناضل من أجل الديموقراطية كما حصل في أمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية، ولمن يواجه الفقر أن ينضم إلى نقابات عمالية كما حدث في الغرب أثناء الثورة الصناعية، ويمكن مقاومة الأطماع الأجنبية بتنظيمات وطنية فاعلة كما حصل في فترة الاستعمار، أما أن يقرر آلاف من الناس أن يواجهوا ذلك بالانخراط في جيش المهدي أو خلافة داعش، فهذا يعني أن ثمة مسارب ثقافية غير مأمونة تدفع باستمرار لمواجهة مشاكل العصر بحلول من خارج العصر، على أمل استعادة الخلافة أو الثأر للحسين». انتهى الاقتباس الثاني.

الأفكار ملهمة، لكن وجه القصور فيها كون عامة الجمهور الذي يبحث في الماضي عن حلول لقضايا العصر لا يتم تثقيفه، علاوة على تطويعه الطويل، إلا بأدبيات الماضي. عامة الجمهور العربي تحس بكل آلام التخلف الحقوقي والعلمي والغذائي والصحي، لكنها لا تعرف شيئاً عن الديموقراطية سوى ما يتم تلقينه لها عنها، ولا عن النقابات العمالية إلا أنها تحركات سياسية تخريبية، ولا عن التنظيمات الوطنية الفاعلة سوى أنها شغل سفارات وعمالة للأجانب تهدف إلى هدم المجتمعات العربية الهانئة المستقرة.

باستعمال لغة الإرهاب الحركي، فسطاط مسلم وفسطاط كافر، يوجد أيضاً فسطاط نخبوي (يحتفظ بمصباحه مطفأً في جيبه حتى يلاقي زميلاً نخبوياً آخر ليسلط الضوء عليه ويسبر أغواره)، وفسطاط عريض ضخم يتخبط في الظلام ويتلمس الضوء في آخر النفق.

المعضلة الحقيقية التي تواجه الأنظمة والمؤسسات الدينية الرسمية ومعها الجماهير، أن هذه الأطراف جميعها تشرب من نفس الحوض القديم الذي يشرب منه أيضاً الإرهاب الحركي، وهو حوض اختلطت فيه الماه النقية بالشوائب ويحتاج إلى صيانة وتصفية.

- الرياض

مقالات أخرى للكاتب