07-11-2014

الحسد

الحسد داء عضال، أشد خطراً على المجتمعات من الأمراض المعدية، والتخلق به، يعتبر من سوء الخلق، علاوة أنه يأكل الحسنات.

فقد جاء في الدعاء المأثور : «اللهم ربّ كما أحسنت خَلقي فأحسن خُلقي «.. وما ذلك إلا أن الله جلت قدرته جمل النفس البشرية بحلى ظاهرة، وصفاتٍ باطنة، تترك أثراً من الجمال والجاذبية والتآلف بين بني آدم. أكثر مما يتركه التحلي بالنفائس من المعادن. وأنواع الجمال الأكسية، أو المظاهر من أنواع الزينات المعروفة بألوانها، الغالية بأثمانها.

فعلاوة ًعلى ما أنعم الله به سبحانه وبحمده، على الجنس البشري من كمال الخلقة، وجمال الصورة، وتناسق الأعضاء، واستقامة القوام، أنعم عليه جلت قدرته بحميد الخصال، وأوفر الخلال، مما يُرسخ مكانته في بيئته، ويُعلي قدره عند بني جنسه، ورغبته تعاليم الإسلام في ذلك بأدب التوجيه، وجزيل الأجر، وحسن العاقبة.

فكانت خصال الخير محببة إلى النفوس الصافية، لما تتركه من أثر حسن، ولما لها من نتائج في ترابط الناس وتآلفهم. ولأنها قبل كل شيء منهج دين الإسلام، الذي يقود النفس البشرية إلى مرفأ الأمان، حيث قال صلى الله عليه وسلم في حديث رواه مالك في الموطأ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « بُعثت لأتمم حسن الخلق. وفي رواية الطبراني عن جابر بن عبد الله مرفوعاً : «إن الله بعثني بتمام مكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال « فالنفس البشرية بما أودع الله فيها من إدراك. وما هيأ لها من حواس: تزن بها الأمور، وتُميز بها بين النافع المفيد، والسيئ الضار، كانت موجهة بشريعة الإسلام، وتعاليم هذا الدين إلى كل الأعمال الخيرة التي هي جزء من حسن الخلق، ومكارم العادات، ومحذرة من كل شر يتمثل فيه سوء الخُلق، وردى الطباع والعادات. ولكي يكون الأول مرغوباً، وتحرص عليه النفوس، قُرن بالنتائج المحببة، والجزاء الذي تتطلع إليه كل نفس رغبةً وأثراً.

ولكي تنفر من الثاني، وتتباعد عنه النفوس، برزت نتائجه أثراً رديئاً في العلاقات والماديات، وأبرز الجزاء السيئ نتيجة ً لمن مال إليه؛ بالعقاب الأخروي، والنتائج المنعكسة في التصرفات الدنيوية. والقرآن الكريم أبان ذلك بآياتٍ كريماتٍ تخاطب القلوب، وتقارن المعقول بالمحسوس، لتراعي النفوس الصافية عن قناعةٍ، وترق الأفئدة المستجيبة عن رغبةٍ. ولئن كنا نتعجب من أجهزة الكمبيوتر، وما تميز به الأعمال، أو تخرجه من نتائج فإن هذا الأجهزة المحسوسة للبشر برصدها للمعلومات، ما هي إلا جزء من أعمال العقل البشري، وما يبرمج فيها من أعمالٍ وأرقامٍ، ما هي إلا بعض من أعمال وتصرفات الإنسان.. حيث التفكر في جزئيات الخصائص التي وهبها الله للإنسان، ورفع قدره بها عن سائر المخلوقات.. فالإنسان الذي علمه الله ما لم يكن يعلم،وهيأ له سبحانه من القدرات ما يستطيع به موازنة الأمور، وفرز كل نوعٍ على حدةٍ، وإبراز خصائص النافع بنفعه، ومعرفة الضار بمداخل ضرره، بأن تلك النتائج تظهر آثارها في سجلات العقل البشري. بأسرع نتيجةٍ من أي جهازٍ من الأجهزة الحديثة الراصدة للمعلومات، والمبرمجة للنتائج. وتنعكس آثار ذلك على أعمال المرء ذكراً كان أو أنثى، فرداً كان أو جماعةً بما يحمده الناس أو يذموه. وبما يؤلف بينهم، أو يفرق جماعتهم.

ولنضرب ذلك بالحسد الذي هو واحد من أمراض القلوب، التي تترك نتائج وآثاراً، أكثر من ضرر أمراض البدن.. فمرض القلوب شفاؤها فيما نزل من شرع الله، وما جاء في كتاب الله كما قال سبحانه ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة ٌُُُُُللمؤمنين )، كما كانت شريعة الإسلام بمصدريها : كتاب الله وسنة رسوله، شفاءً للقلوب المريضة، وتوجيهاَ للأفئدة المستنيرة، ومنقذةً من ويلات ومحن كثيرةٍ، كما قال جل وعلا : ( قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاءٌ لما في الصدور ).

وبمقارنة مرض القلب بالحسد، بما يصيب البدن من مرضٍ.. نلاحظ أن البدن يمرض بفسادٍ يكون فيه، يفسد به إدراكه، وتتغير حركته الطبيعية، فإدراكه إما يذهب كالعمى والصمم، وإما أن يدرك الأشياء على خلاف ما هي عليه، كا يدرك الحلو مراً، وكما يخيل إليه أشياء لا حقيقة لها في الخارج، وإما بفساد حركته الطبيعية كأن تضعف قوته في الهضم، أو أن يبغض الأغذية التي يحتاج إليها، ويحب الأشياء التي تضره، ويحصل للجسم من الآلام بحسب ذلك.

لكن الإنسان بمرضه هذا لم يمت، ولم يهلك به، وبقي فيه نوع من إدراك الحركة الإرادية فيتولد عن ذلك ألم يحصل في الجسم بسبب فساد الكمية أو الكيفية : فالأول إما لنقص المادة فيحتاج إلى غذاء، وإما بسبب زيادتها فيحتاج إلى استفراغ، والثاني كقوةٍٍٍٍٍٍ في الحرارة والبرودة خارج عن الاعتدال فيداوى كما قال ابن تيمية رحمه الله ذلك.

أما مرض القلب فهو نوع فسادٍ يحصل له يفسد به تصوره وإراداته فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق، أو يراه على خلاف ما هو عليه، أما إرادته فبحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار.

ومرض الحسد يعتبر من أشد أمراض القلوب، وأكثرها ضرراً، فهو أول ذنب عصي الله به على وجه الأرض، وأخرج آدم من الجنة بحسد إبليس ومعاداته له ولذريته، وأبعد عدو الله إبليس عن رحمة الله بحسده لآدم، واقتناعه السجود له عصياناً لأمر الله.. ولذا قال بعضهم في مرض الحسد، حسبما نقل ابن تيمية رحمه الله: إنه أذى يلحق بسبب العلم بحسن حال الأغنياء، فلا يجوز أن يكون الفاضل حسوداً، لأن الفاضل يجري على ما هو جميل.. وقد قال طائفة من الناس: إنه تمني زوال النعمة عن المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، بخلاف الغبطة فإنه تمنى مثلها من غير حب زوالها عن المغبوط.

وفي تحقيق ماهية الحسد، وأثر جيشانه في النفوس، يبرز أمام المستـقصي أن الحسد هو البغض والكراهة لما يرى الحاسد من حسن حال المحسود. فالحسد إفرازات بغيضة من شرور نفس الحاسد، يراد إيقاعها على المحسود للإضرار به، وديننا ينهى عن الضرر بالآخرين، لكن الحاسد يتجاهل تلك التعليمات الرفيعة وأثرها، لينفث سمومه في الآخرين ضرراً وتشفياً، والحسد نوعان: كراهة الحاسد للنعمة مطلقاً فهذا هو الحسد المذموم والحاسد بهذا يتألم ويتأذى بوجود ما يبغضه فيكون ذلك مرضاً في قلبه، ليتلذذ بزوال النعمة عن المحسود، وإن لم يحصل له نفع بزوالها، لكن نفعه بزوال الألم الذي أفرزته نفسه.

والنوع الثاني من الحسد: أن يكره الحاسد فضل ذلك الشخص عليه، فيحب أن يكون مثله أو أفضل منه، فهذا حسد سمي غبطة، وقد عالج رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحالة بقوله الكريم: « لا حسد إلا في اثنين : رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالاً، فهو ينفق منه في الحق آناء الليل والنهار « متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

أما علاج مرضى القلوب من الحسد ففي معرفة الله وإتباع شرعه، والسير وفق الفطرة التي فطر الله الناس عليها. لأن الله فطر الخلق على محبته وعبادته وحده، وكل قلب عارف بالله محب له وحده لا يكون مريضاً، ومن سلم قلبه من الأمراض، سلم من الآفات ومنها الحسد كفانا الله شره.

mshuwaier@hotmail.com

مقالات أخرى للكاتب