مهدي آل عثمان
تُعد وزارة الطاقة إحدى الركائز الاستراتيجية التي تبني عليها المملكة مستقبلها الاقتصادي، ليس فقط من زاوية إدارة الموارد البترولية، بل من منظور أوسع يقوم على صياغة سياسات حديثة، وتوجيه مسار الطاقة بما ينسجم مع رؤية المملكة 2030. وقد برز هذا الدور بوضوح خلال زيارة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله - إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كانت ملفات الطاقة المتقدمة والاستثمارات النوعية والشراكات التقنية الحديثة في صميم اللقاءات، لتؤكد للعالم أن المملكة اليوم لا تُخطط للطاقة فحسب، بل تُعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية وفق رؤية عميقة للمستقبل.
لقد أسهمت هذه الزيارة في تعزيز الحضور الدولي للمملكة بوصفها لاعباً استراتيجياً يقود أسواق الطاقة، ويوازن بين المتغيرات السياسية والاقتصادية، ويستثمر موقعه في بناء مستقبل يعتمد على مزيج متنوع من المصادر؛ فالوزارة تعمل وفق رؤية واضحة: تنظيم قطاع اليوم… وصناعة طاقة الغد، وهي رؤية تتجسد في خطط تفصيلية تُعيد رسم دور المملكة في قطاع الطاقة العالمي، وتُرسخ مبادئ الاستدامة والكفاءة والابتكار.
وفي هذا السياق، واصلت الوزارة تطوير السياسات والاستراتيجيات الوطنية التي تضبط أنشطة المواد البترولية والبتروكيماوية، وتضمن الامتثال للوائح، وتُعزز الحوكمة، وتوفر منتجات الطاقة بصورة آمنة ومستقرة. ولم يعد المشهد الجديد للطاقة مقتصراً على الإنتاج والتصدير، بل أصبح قائماً على التوزيع الذكي لمصادر الطاقة بين مناطق المملكة، بما يحقق رفع الكفاءة الاقتصادية، وخلق وظائف نوعية للشباب في مناطقهم، ودعم الاستقرار الأسري وتوطين السكن، وتعزيز التنمية الإقليمية المتوازنة.
وهذا التوجه المتقدم يتماشى مع رؤية الدولة التي تسعى إلى أن تكون كل منطقة قوة اقتصادية بمواردها الطبيعية وقدرات شبابها، حيث لم يعد تركّز المشاريع في المدن الكبرى هو الخيار الأمثل، بل بات توزيعها على مختلف المناطق خطوة استراتيجية تعزز النمو الوطني في وقت واحد.
وفي هذا السياق، يشهد عدد من المناطق نماذج لمشاريع الطاقة المتجددة، ومنها بعض المشروعات التي ظهرت في مناطق الجنوب مثل مشروع الطاقة الشمسية في بيشة، والذي يأتي كأحد الأمثلة على توجه الدولة لتنويع مصادر الطاقة ورفع كفاءة الإنتاج واستثمار الموارد المحلية. ويُعد هذا النموذج امتداداً لرؤية تستهدف تمكين كل منطقة من الاستفادة من مزاياها الطبيعية، وخلق فرص وظيفية نوعية، وتوطين جزء من الصناعات المتقدمة المرتبطة بالطاقة المتجددة.
إن توزيع مشاريع الطاقة بين المناطق لم يعد مجرد خيار تنموي، بل أصبح ضرورة وطنية تضمن رفع مستوى النمو في المدن الطرفية، وتحفّز القطاع الخاص على الاستثمار فيها، وتخلق بيئة اقتصادية متوازنة، وتحدّ من الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى. وهذا التوجه يتوافق مع مستهدفات جودة الحياة ورؤية 2030 التي جعلت الإنسان محور التنمية وغايتها وأساس استدامتها.
كما أن تعزيز المحتوى المحلي في قطاع الطاقة لا يتوقف عند توظيف الشباب، بل يمتد إلى تنمية مراحل إنتاج الطاقة وخدماتها، وجذب الاستثمارات المتقدمة، وتطوير الصناعات المرتبطة بالتقنيات النظيفة، ما يجعل المملكة في مقدمة الدول التي تستثمر في المستقبل، لا في الحاضر فقط. فالمملكة تتجه اليوم نحو مزيج طاقة متطور يشمل النفط والغاز والطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر، وهو ما يعزز قدرتها على المنافسة الدولية في مرحلة تتغير فيها قواعد سوق الطاقة العالمية.
وعلى المستوى الدولي، تُبرز مشاركة المملكة الفاعلة وثبات مواقفها قدرتها على قيادة الحوار العالمي حول الطاقة والمناخ واستقرار الأسواق. وتأتي زيارة ولي العهد للولايات المتحدة لتعزز هذا الدور، وتفتح آفاقاً جديدة للشراكات التقنية والاستثمارات المستقبلية، وتعزز مكانة المملكة كدولة تقود التوازن العالمي في زمن التحولات الكبرى.
إن وزارة الطاقة اليوم تعمل بعينين؛ عين تنظّم الحاضر بدقة وكفاءة، وعين تصنع المستقبل بجرأة وثبات. وما يتحقق على أرض الواقع ما هو إلا جزء من رحلة طويلة نحو اقتصاد متجدد، ومجتمع قادر على المنافسة، وصناعة طاقة حديثة تُسهم في استدامة التنمية، وتمنح كل منطقة في المملكة فرصتها العادلة لتكون مشاركاً فاعلاً في نهضة الوطن.
إن مستقبل المملكة العربية السعودية مستقبلٌ مزدهر، تصنعه قيادة حكيمة ترسم الطريق برؤية واضحة، ويُشيّده أبناء الوطن بسواعدهم، بعلمهم، وبعملهم. ومع هذا التلاحم المتين بين القيادة والطموح الوطني، ستبقى المملكة نموذجاً عالمياً في صناعة الطاقة الحديثة، وركناً ثابتاً في استدامة الاقتصاد، ودولة تمضي بثقة نحو مستقبل لا يعرف التردد.