القاهرة - واس:
شَكّلت القوارب جزءًا لا يتجزأ من تاريخ البشرية، ورمزًا لإبداع الإنسان وتكيفه مع بيئته، كوسيلة أساسية للتنقل والصيد والتجارة، ولا يزال الاعتماد عليها قائمًا لتبقى شاهدةً على تطور الحضارة الإنسانية في صناعتها من مجرد جذوع خشبية طافية إلى اليخوت الفاخرة الحديثة.
وأفاد خبير الآثار المصري وعضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة الدكتور عبدالرحيم ريحان، في تصريح لـ «واس» أن القدماء المصريين صنعوا القوارب البدائية صغيرة الحجم من أعواد وأحزمة نبات البردي كوسيلة أساسية للنقل الداخلي على طول نهر النيل، وتسير بمجاديف وساري، ثم صنعوا القوارب الخشبية الكبيرة من أخشاب شجر الطلح والجميز، كما كانوا يستوردون أخشاب شجر الأرز والسرو على الأخص لصناعة تلك القوارب ذات الأشرعة والمجاديف للصيد والتجارة ونقل العُمال والمسافرين.
وأفاد أن القدماء المصريين صنعوا المراكب النهرية الضخمة التي وصل طولها 30 مترًا لنقل الصخور الجرانيتية والأحجار الضخمة من محاجر أسوان إلى بقية أقاليم مصر، ونقل الأحجار الجيرية من محاجر جبل المقطم وحلوان عبر النيل من ضفته الشرقية إلى الضفة الغربية، كما صنعوا المراكب البحرية القادرة على مقاومة اضطراب البحر وأمواجه لجلب العاج والأبنوس والبخور والعطور.
وبيّن خبير الآثار المصري أن مراكب الشمس اُكتشفت عام 1954 في حفرتين مسقوفتين عند قاعدة هرم خوفو الجنوبية بمحافظة الجيزة، عُثر في قاع إحداهما على سفينة مفككة متقنة النحت من خشب الأرز، وأُعيد تركيب السفينة الأولى بطول 42 مترًا، وتُعرض كاملة بالمتحف المصري الكبير، فيما يجري العمل على تركيب السفينة الثانية.
وشهدت القوارب تطورًا كبيرًا في التصميم والبناء، مع بداية الثورة الصناعية، حيث برزت السفن الضخمة المصنوعة من الحديد والصُلب والمزودة بمُحركات بخارية ثم السفن المزودة بمحركات الديزل والبنزين، وصولاً إلى اليخوت الفاخرة التي تجمع بين المحركات الكهربائية وأنظمة الملاحة البحرية المتقدمة مثل الـ»GPS» كرمز للحداثة.
وتظل القوارب حاضرة في تاريخنا وثقافتنا وحياتنا اليومية، فهي ليست مجرد وسيلة للنقل أو الصيد أو الترفيه، بل هي رمز للتقدم البشري على مر العصور، وشاهدة على علاقة الإنسان المتجددة بالأنهار والبحار والمحيطات، وكذلك رغبته المستمرة في الإبحار والتنقل بين القارات واكتشاف عوالم جديدة.