«الجزيرة» - محمد العشيوي:
لم يكن ما حدث في «JOY Awards» في نسخته السادسة مجرد احتفال، بل كان لحظة اعتراف نادرة، بأن ما شاهدناه يومًا على الشاشات لم يكن ترفا عابرا، بل كان جزءًا من أعمارنا، لحظة قالت بهدوء إن الفن الحقيقي لا يمر بل يقيم في القلب، في ذلك الختام، لم تُطفأ الأضواء بقدر ما أُضيئت الذاكرة، لوحة درامية سورية أعادتنا إلى زمن كنا نجلس فيه مع العائلة، نضحك دون تكلّف، ونحزن دون شرح، ونفهم الشخصيات لأنها تشبهنا، زمن كانت فيه الدراما بيتًا آخر، وكانت الحكايات تُروى بصدق، لا باستعراض.
بعد أن وجدت الجوائز أصحابها، لم يبقَ على المسرح إلا الشعور، شعور بأن الدراما السورية لم تكن أعمالاً تُعرض، بل حياةً تعاش، وتجربةً إنسانية صنعت وجدان أجيال، ورافقتهم في طفولتهم، ومراهقتهم، وحتى نضجهم، في تلك اللحظات، بدا المهرجان وكأنه يعيد ترتيب العلاقة بين الفن والإنسان، لم يكن السؤال: ما الذي عُرض؟ بل: ماذا شعرنا؟ وكيف استطاع هذا المشهد أن يوقظ فينا ذلك الإحساس الأول، حين كنّا نتابع الدراما بشغف، ونصدّق الشخصيات، ونختلف ونتصالح معها كما نفعل مع أهل البيت.
العالمية هنا لم تكن في الأسماء ولا في الأضواء فحسب، بل في اللغة المشتركة التي فهمها الجميع لغة الذاكرة، لغة الإنسان حين يرى نفسه في قصة، أو يسمع صوته في حكاية، أو يبتسم لأن مشهدًا ما أعاده إلى زمن أبسط وأصدق.
كان واضحًا أن المهرجان لم يراهن على الإبهار بقدر ما راهن على الصدق، على لحظة تقول إن الفن لا يعيش بطول عدد الجوائز، بل بطول الأثر الذي يتركه في القلوب. وإن الإنسان، حين يُقدَّم قبل العمل، يصبح الفن أكثر نقاءً، وأكثر بقاءً.
ومرت الفقرة السورية في المهرجان باسترجاع ذكريات الأعمال السورية، عبر جميل وهناء، ذلك العمل الذي لم يصنع الكوميديا من النكتة، بل من تفاصيل الحياة اليومية، وعاد أيضًا في عودة غوار لم يكن شخصية تُضحك فقط، بل مرآة ساخرة للناس وهمومهم، ضحكٌ كان يخبّئ نقدًا، وسخرية كانت تقول ما لا يُقال، فبقيت الشخصية حيّة، لأن الإنسان خلفها كان صادقًا.
أما باب الحارة، فلم يحضر كمسلسل، بل كحالة، حالة اختلف الناس حولها، لكنهم اتفقوا على أنها عاشت معهم. قيم الجيرة، والزعامة، والوفاء، والصراع، كلها لم تكن مجرد حبكات، بل انعكاسًا لذاكرة اجتماعية لا تزال حاضرة مهما تغيّر الزمن، وجاء عمل (يا شام)، الذي يتمثل بأهم الأعمال التي حفرت في ذاكرة المشاهد السوري والعربي، ليرسموا لوحة درامية سورية خالصة.
ذروة المشهد لم تكن في الصورة، بل في المعنى، حين اجتمعت القامات على المسرح بوجود نجوم الفن السوري والعربي وربط الماضي بالحاضر في صورة شكلت مسك الختام لمهرجان صناع الترفيه.