محمد العشيوي - «الجزيرة»:
عاد لا كخبر عابر، بل كصوت موسيقي قديم يستيقظ في الذاكرة، ليكون الإعلان عن ليلة غنائية للفنان راشد الماجد ضمن حفلات «موسم الرياض» في الثلاثين من يناير الجاري، بدا وكأنه وعد مؤجل بالفرح، وموعد صريح مع الشجن الجميل، اسم الليلة وحده كفيل بأن يأخذ جمهوره بين «النوستالجيا»، وجواهر الأغنية، حيث تختلط الذكريات الأولى مع النضج الفني، ليصبح الصوت جسرًا بين أزمنه وعقود مختلفة، عودة راشد ليست عودة صوت فقط، بل عودة علاقة مع جمهوره على المسرح، وترميم شعور، ولقاء عن قرب بين فنان يعرف جمهوره جيدا، وجمهور يستحيل أن ينساه مهما طال الغياب.
وعلى مسرح محمد عبده، يفتح راشد دفاتر الأغنية من جديد، ذلك المسرح الذي لا يستقبل الأصوات بقدر ما يحتضن التجارب الكبيرة، سيكون شاهدًا على ليلة تؤكد أن الفن الحقيقي لا يشيخ، وأن الأغنية حين تغنى بصدق تبقى شابة مهما عبرت عليها السنين، هذه الليلة الشتوية انتظرها الجمهور كثيرا لتندرج ضمن حفلات الموسم وبتنظيم من روتانا.
تاريخ راشد مع موسم الرياض ليس طارئاً ولا عابرًا، ففي عام 2019، شهدت النسخة الأولى من الموسم واحدًا من أضخم حفلاته الجماهيرية ضمن «ليالي الأساطير»، ليلة وصفت حينها بالمسمى ذاته، لا لفخامتها فقط، بل لحميميتها، ولحضور جماهيري كثيف، مزاد على العود المرتبط وجدانيًا بمسيرته، ومعرض صور يوثق الرحلة، ومفاجآت صنعت حالة فنية تجاوزت فكرة الحفل إلى فكرة الاحتفاء الكامل بالتجربة، كان ذلك العام بمثابة ذروة حضور واستمرارية، إذ شارك أيضًا في «سمرات شتاء الرياض بالثمامة، وليلة البد، وليلة زعيم آسيا المخصصة لنادي الهلال، وليلة ياسر بو علي»، في عام واحد بدا فيه راشد حاضرًا في كل تفاصيل المشهد الغنائي.
ثم كرر التجربة في نسخة 2021 عبر ليلة «اسير الشوق»، وفي العام 2022 عاد مجددآ ضمن جلسات «العاذرية»، وفي فبراير 2023، جاء ظهوره الأخير على مسارح الموسم من خلال «ليلة صوت الأرض» تكريمًا للراحل طلال مداح، حين اختار أن يغني «من هو حبيبك»، وكأنها رسالة وفاء قبل أن تكون اختيارًا فنيًا.
وفي عام 2026، يجدد راشد هذا اللقاء بحفل انتظره الجمهور طويلًا، ليعود مرة أخرى إلى جمهوره، بقيادة المايسترو وليد فايد، ولم يكن هذا الحضور منفصلًا عن نشاطه الفني الحديث، إذ شهد صيف 2024 إطلاق ألبومه المتكامل «استحالة» من ألحان الموسيقارد. طلال، ألبوم كلاسيكي والحان منوعة، بعد غياب عن طرح الألبومات اكثر من 10 أعوام، وكان آخر لقاء جماهيري له في ديسمبر الماضي خلال ليلة خاصة بالموسيقار الدكتور طلال كان قد أحياها في العاصمة المصرية القاهرة.
أربعة عقود وأكثر، قضاها راشد الماجد في خدمة الأغنية السعودية والخليجية، قدّم خلالها أكثر من 22 ألبومًا، ونحو 900 أغنية، وأكثر من 32 فيديو كليب، ومع كل هذا الرقم، يبقى الرقم الأهم هو ذلك الحضور غير القابل للقياس، حضور في الذاكرة، وفي اللحظة، وفي شعور جمهور ينتظر عودته ليكونوا على الموعد ضمن حفلته القادمة.