الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
يؤكد الباحثون أن مشكلات الأطفال تتنوع تبعا لعوامل جسمية أو نفسية أو أسرية أو مدرسية، وكلها لها تبعات وتفرعات جانبية مشكلة تفاعلات وتداخلات مع بعضها وبالتالي أدى إلى ظهورها لدى الطفل، ومنها الألفاظ البذيئة لدى الأطفال التي تنامت ويعاني كثير من الآباء والأمهات من وقوع أطفالهم في استخدام الألفاظ النابية والقبيحة.
وتؤكد الدراسات والأبحاث العلمية أن التلفظ بألفاظ بذيئة أو فاحشة ليست سوى ردة فعل لتوتر أو غضب نفسي، وقبل ذلك تقليد لما سمعه الطفل في البيئة التي يعيش فيها سواء المحيط الأسري أو التعليمي وغيرها.
«الجزيرة» رصدت رؤى عدد من المختصين في العلوم التربوية والطبية والاجتماعية، فماذا قالوا؟
السلوك الخطير
يقول الدكتور هشام بن عبدالكريم المشيقح الخبير التربوي رئيس مجلس الأمناء لكليات الأولى بمحافظة الأحساء: إن تنامي الألفاظ القبيحة على ألسنة الأطفال سلوك خطير؛ لما يخلّفه من آثار سلبية على أخلاقهم وشخصياتهم، ويؤدي إلى ضعف الاحترام وسوء التعامل مع الآخرين.
قال الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}. أي أن كل لفظ يصدر من الإنسان مُراقب ومسجّل، مما يدل على أهمية الكلمة وخطورتها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» (رواه البخاري ومسلم).
دعوة صريحة لاختيار الكلمة الطيبة وترك ما سواها، مشيراً إلى أن أسباب هذه الظاهرة تعود إلى:
- تقليد الكبار: قال صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها سبعين خريفًا في النار»، فالكبار قدوة، وكلامهم يؤثر في الصغار دون وعي منهم.
- التعرّض لمحتوى إعلامي غير مناسب: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}، فالإعلام غير المنضبط وسيلة من وسائل الإفساد يجب الحذر منه.
- غياب التوجيه الأسري والرقابة: قال صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته...»، (رواه البخاري ومسلم).
وشدد د. هشام المشيقح على أن مسؤولية الأسرة كبيرة في التوجيه والتربية، ولمعالجة هذه السلوكيات يجب على الأسرة أن تكون قدوة حسنة، مع المتابعة المستمرة، وتصحيح الخطأ بالحوار الهادئ، مع تعزيز الألفاظ الطيبة، إضافة إلى التعاون مع المدرسة في ترسيخ القيم الأخلاقية السليمة.
الأسباب وطرق الوقاية
وتؤكد الدكتورة إكرام بنت رابح عياد استشارية طب الأطفال بالرياض أن مشكلة الألفاظ البذيئة عند الأطفال تعد مرحلة شائعة يمر بها الكثير من الصغار، وهي غالباً ما تثير قلق الوالدين وإحراجهم. لكن في معظم الأحيان، لا يقصد الطفل المعنى السيئ للكلمة بقدر ما يبحث عن رد فعل، مشيرة إلى أن الأسباب تختلف بناءً على المرحلة العمرية للطفل:
* التقليد والمحاكاة: الأطفال «رادارات» بشرية؛ يلتقطون الكلمات من الوالدين، الإخوة الكبار، الزملاء في المدرسة، أو حتى من الرسوم المتحركة واليوتيوب.
* حب الاستطلاع واختبار رد الفعل: يلفظ الطفل كلمة غريبة ليراقب رد فعل الأهل (ضحك، صدمة، أو غضب). إذا كان رد الفعل قوياً، سيستمر في قولها لجذب الانتباه.
* عدم إدراك المعنى: في سن صغيرة (3-5 سنوات)، قد يعجب الطفل برنين الكلمة أو قوتها دون أن يفهم أنها «قبيحة» أو «محرمة».
* التعبير عن الغضب أو الإحباط: قد يلجأ الطفل لهذه الكلمات كأداة للتعبير عن مشاعر قوية لا يمتلك حصيلة لغوية كافية لوصفها.
* الرغبة في الشعور بـ«القوة» أو الاستقلال: يرى الطفل أن الكبار يستخدمون هذه الكلمات، فيقلدهم ليشعر أنه أصبح كبيراً أو مسيطراً.
طرق الوقاية
وأبانت د. إكرام عياد استشارية طب الأطفال بالرياض أن طرق الوقاية والتعامل مع مشكلة الألفاظ البذيئة، يكمن في الآتي:
1- أن يكون الوالدان قدوة حسنة (القاعدة الذهبية) حيث إن الأطفال يراقبون أقوال والديهم، وإذا كان أحد الوالدين يستخدم ألفاظاً غير لائقة عند الغضب (حتى لو كانت بسيطة)، فسيقوم الطفل بتقليده فوراً، فمن الضروري أن يبدأ الوالدان بضبط لغتهما الخاصة أولاً.
2- تجاهل «المرة الأولى» إذا نطق الطفل بكلمة سيئة لأول مرة، فيجب أن يحاول الوالدان عدم إبداء أي رد فعل (لا تضحك ولا تصرخ)، والتجاهل غالباً ما يجعل الطفل ينسى الكلمة لأنها لم تحقق له «الاستعراض» الذي كان ينشده.
3- التوضيح الهادئ (دون ترهيب) إذا تكرر الأمر، يجب أن يشرح الوالدان للطفل بهدوء: «هذه الكلمة غير لائمة، نحن لا نستخدمها في عائلتنا لأنها تؤذي مشاعر الآخرين».
4- تعليم بدائل للتعبير عن الغضب، يجب على الوالدين مساعدة طفلهما على تسمية مشاعره، وبدلاً من الكلمة البذيئة، مثلا أن يقول: «أنا غاضب جداً الآن»، أو «أنا محبط». يمكن حتى ابتكار «كلمات سرية» مضحكة ومقبولة ليستخدمها عند الانزعاج.
5- الرقابة الذكية على المحتوى تأكد من نوعية الفيديوهات التي يشاهدها الطفل على يوتيوب أو الألعاب الإلكترونية، فكثير منها يحتوي على لغة غير مناسبة يتم تمريرها بشكل غير مباشر.
البيئة المحيطة
ويقدم الدكتور حسن بن سلطان بصفر المتخصص في الخدمة الاجتماعية علاج ظاهرة استخدام الألفاظ القبيحة لدى للأطفال، يكمن في توجيه الطفل لاستخدام ألفاظ محترمة في جميع الأوقات والمواقف، وتشجيعه على استخدام لغة جيدة وامدحه عند ذلك، مع مراقبة الطفل وصحح له عندما يستخدم ألفاظًا قبيحة أو سيئة، كما ينبغي المحافظة على بيئة إيجابية ومحترمة في المنزل، مشدداً على أهمية محاولة معرفة سبب استخدام الطفل للألفاظ القبيحة، والتواصل الجيد مع الطفل والتحدث عن مشاعره، وأسباب استخدامه للألفاظ القبيحة، مع التعزيز الإيجابي الكافئ للطفل عندما يستخدم لغة جيدة وجميلة، وتعليمه الاستماع وأهميته للآخرين واحترام آرائهم، مع المراقبة المستمرة للطفل بصفة دائمة، والتصحيح له عندما يستخدم ألفاظًا قبيحة سيئة.