حين قال مارك كارني، رئيس وزراء كندا، في دافوس إن التجارة الأمريكية تتجه بشكل متزايد نحو الصين والهند، لم يكن يطلق شعارًا سياسيًا ولا يقدّم رؤية مستقبلية. كان يصف واقعًا اقتصاديًا باتت الأرقام تفرض الاعتراف به.
لفهم هذه العبارة، لا بد من التمييز بين مستويين في النظام الاقتصادي العالمي: بنية التسعير والتمويل من جهة، وجغرافيا النمو والإنتاج من جهة أخرى.
على مستوى البنية، لا يزال النظام المالي العالمي متمركزًا في الغرب. الدولار الأمريكي حاضر في نحو 88-90 % من معاملات الصرف الأجنبي عالميًا وفق بيانات بنك التسويات الدولية (BIS)، كما تُقيَّم قرابة 60 % من الاحتياطيات والأصول المالية الرسمية عالميًا بالدولار بحسب صندوق النقد الدولي (IMF). وبمعنى عملي، حتى عندما تتم التجارة خارج الغرب بالكامل - بين اقتصادات آسيوية بعضها مع بعض، أو بين دول الجنوب - تبقى العقود، والتمويل، والتحوط، ولغة التسعير النهائية محكومة بالدولار.
أما من حيث سرعة الدوران، فلا تزال City of London العقدة الأهم في سوق العملات العالمي، حيث يمر عبرها ما يقارب 38-40 % من تداول العملات وفق BIS. وتأتي نيويورك في المرتبة الثانية من حيث العمق والسيولة، فيما برزت سنغافورة بوصفها البوابة الآسيوية الأهم. ولا يعود تقدم لندن على نيويورك إلى العملة ذاتها، بل إلى موقعها الزمني وتنظيمها الذي يسمح بتداخل التداول بين آسيا وأمريكا على مدار اليوم.
بهذا المعنى، يمكن القول إن القلب المالي للنظام ما زال غربيًا.
غير أن هذه الحقيقة لا تكتمل إلا بالنظر إلى الجسد الاقتصادي نفسه. فعلى مستوى النمو، تدور معدلات الاقتصادات المتقدمة حول 1-2 %، في حين تنمو الصين والهند وجنوب شرق آسيا بمعدلات تتراوح بين 4-6 %. وتشير بيانات IMF إلى أن أكثر من 65 % من النمو العالمي الجديد خلال العقد الأخير جاء من الأسواق الناشئة.
وفي جانب الإنتاج، تمثل آسيا اليوم نحو 55 % من التصنيع العالمي، فيما تستحوذ الصين وحدها على قرابة 30 % منه، مقابل حصة لا تتجاوز 25 % للولايات المتحدة وأوروبا مجتمعتين. التسعير ما زال غربيًا، لكن القيمة المضافة لم تعد كذلك.
أما التجارة، فقد أصبحت آسيا تمثل أكثر من 40 % من التجارة العالمية، وأصبحت الصين الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة. هنا يمكن فهم عبارة كارني على حقيقتها: ليست إعلانًا عن خروج الولايات المتحدة من المشهد، بل توصيفًا لتحرّك الجسد التجاري العالمي خارج القلب الغربي.
وفي هذا السياق، ينسجم التوجّه الإستراتيجي للمملكة نحو آسيا، ولا سيما الصين، مع هذه التحولات. فقد أصبحت الصين أكبر شريك تجاري للمملكة، وبلغ حجم التبادل بين الجانبين أكثر من 107 مليارات دولار في عام 2024، في مسار يعكس قراءة عملية لتحول مركز الثقل الاقتصادي العالمي، لا اصطفافًا سياسيًا.
وما يجعل هذا التحول أكثر إرباكًا أن النظام العالمي لم يفقد أدواته، بل فقد تفرده. فالتسعير ما زال غربيًا، والمؤسسات ما زالت تعمل، لكن مركز الحركة لم يعد ينتظر الإشارة من حيث يُسعَّر. وهذا يطرح سؤالًا غير مريح: ماذا يعني أن يستمر نظام في إدارة العالم ماليًا، بينما يتشكل نموه وإنتاجه وطلبه في أماكن لم يعد يملك السيطرة عليها؟ هنا لا يكون الخطر في انهيار النظام، بل في استمراره وهو أقل قدرة على توجيه ما يُدار باسمه.
** **
- سعيد محمد عبيد بن زقر