الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
تؤكد تعاليم الإسلام بشدة على المحافظة على النفس وصيانتها، حيث يعتبر حفظ النفس من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية الكبرى (الضروريات الخمس)، وهو يشمل توفير حياة كريمة، وتجنب كل ما يهدد الوجود أو يضر بالجسد والعقل، ويظهر ذلك في آيات قرآنية وأحاديث نبوية تنهى عن التهلكة وتأمر بالأخذ بالأسباب، وتوجب الدفاع عن النفس وإنقاذ الآخرين من الخطر، ما يبرز شمولية هذا المبدأ في الدين.
«الجزيرة» ناقشت القضية مع عدد من المختصين والمهتمين؛ فماذا قالوا؟.
الحفاظ على النفس
يؤكد الدكتور عمر بن إبراهيم المحيميد أستاذ الفقه بجامعة القصيم أن أعظم الشرائع جاءت بالمحافظة على ضروريات الحياة ومن أولاها المُحافظة على النفس، وهو أصلٌ عظيم، وركنٌ راسخ من أركان الشريعة، لا قيام للحياة ولا بقاء للمعمورة إلا بها.
فالنفس أمانة عُظمى، والاعتداء عليها جريمة نكراء، تُحشد لأجلها الحشود، وتعاد من أجلها ترتيب الأولويات؛ وذلك لأن بها عمار الأرض، وتُقام التكاليف، وتتحقق مقاصد الدين والذي من أجله قامت الأرض والسموات.
وقد جاء الشرع بحفظها من كل ما يزهقها أو يفسدها، فحرّم قتلها، وأوجب صيانتها، وسدّ ذرائع الهلاك عنها، فأحاطها بسياجٍ منيع، وقدّم سلامتها على كل مصلحةٍ موهومة، وجعل درء المفاسد عنها مقدَّمًا على جلب المصالح أيا كانت، مشدداً على أن الكل مطالب بالمحافظة عليها، وأولى الناس بهذا الأمر وأجدرهم: المسلم الحصيف، يحافظ على نفسه أولا، ثم على الآخرين -وإن كان من أبعد الأبعدين- ولو اختلف الدين، فالنفس معصومة أيا كانت ديانتها، فتُصان من كل ما قد يؤثر على نقصها، أو الإتيان عليها بالكلية، سواء بشكل مباشر كإزهاقها بقتل، أو بغير مباشر كتناول ما يؤدي لهلاكها مع مرور الوقت مثل المخدرات، وحيثما كانت سلامة النفس، فثمّ أمر الله، وحيثما صينت الأرواح، قامت الحضارات واستقامت المجتمعات؛ لذا صار من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا.
واختتم د. عمر المحيميد حديثه بالقول: حفظ النفس ليس خيارًا ثانويًا، بل فريضة شرعية، وضرورة إنسانية.
التسويق الصحي المضلل
ويشدد الدكتور طلال محمد أحمد أخصائي الجراحة العامة بالرياض على مخاطر تناول المكملات الغذائية دون إشراف طبي، حيث انتشر في السنوات الأخيرة استخدام المكملات الغذائية في المجتمع السعودي بشكل واسع، حتى أصبح كثير من الناس يتناولون الفيتامينات والمعادن والأعشاب يوميًا دون استشارة طبية، ظنًا أنها آمنة لمجرد أنها تُباع دون وصفة.
لكن الحقيقة الطبية أن المكملات ليست مواد بريئة، بل مركبات دوائية لها تأثيرات حقيقية على الجسم، وقد تتحول عند سوء استخدامها إلى خطر صامت.
ففيتامين D بجرعات عالية قد يسبب ترسّب الكالسيوم في الكلى واضطراب ضربات القلب، والحديد الزائد يؤذي الكبد ويرفع خطر الالتهابات، والمغنيسيوم قد يسبب هبوط الضغط وبطء النبض، أما بعض الأعشاب مثل: الجنكو بيلوبا تُضاعف تأثير أدوية السيولة، وقد تتداخل مع أدوية القلب والضغط والسيولة، وتسبب نزيفًا أو فشلًا علاجيًا دون أن يشعر المريض.
ويفيد د. طلال أحمد أخصائي الجراحة العامة بالرياض أن المشكلة الأخطر أن كثيرًا من الناس يجمع عدة مكملات يوميًا دون علم بتفاعلها معًا أو مع الأدوية، وهو ما يُعرف طبيًا بـ»تعدد الأدوية الخفي»، وقد يؤدي إلى إرهاق مزمن واضطرابات في الكبد والكلى والجهاز العصبي، موضحا أن القاعدة الطبية واضحة: لا يُعطى أي مكمل إلا عند وجود نقص مُثبت، وبجرعة محددة، ولمدة زمنية، وتحت متابعة طبية، فالمكملات لا تعوض التغذية السليمة ولا تعالج السبب الحقيقي للمرض، بل قد تخفيه أو تزيده سوءًا، وفي زمن التسويق الصحي المضلل، أصبح كثير من الناس يضرون أجسادهم وهم يظنون أنهم يحمونها.
الأخذ بالأسباب
وتقول الدكتورة الجوهرة بنت عبدالرحمن إبراهيم المنيع أستاذ الإدارة والتخطيط التربوي بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن: يمكن ترسيخ المنهج الإسلامي النبيل بجعل مقاصده وقيمه مرجعًا عمليًا في السلوك اليومي، عبر التربية الواعية، والقدوة الحسنة، والأخذ بالأسباب في شؤون الصحة والأمن والعمل، وربط ذلك بالإيمان والمسؤولية، ليغدو حفظ النفس وصيانتها ممارسة واقعية تشمل جميع مجالات الحياة، كما يتحقق ذلك عبر سنّ الأنظمة التي تحمي الإنسان، وتعزيز الوعي المجتمعي بثقافة الوقاية، وتفعيل دور الإعلام والتعليم والمؤسسات الصحية، وربط حفظ النفس بالمسؤولية الفردية والجماعية، ليبقى هذا المبدأ حاضرًا في القرار والسلوك على مستوى الفرد والمجتمع.