بريدة - خاص بـ«الجزيرة»:
أكدت دراسة علمية حديثة أن إنجاحَ أيّ جهدٍ لحماية الذّوق العام مرهونٌ باستجابة أفرادِ المجتمع أنفسِهم واستشعارهم للمسؤوليَّة الذاتيَّة في هذا الشأن، لذلك تُوصي الدراسةُ بأنْ يتبنَّى كلُّ فردٍ ثقافةَ الرقابةِ الذاتيَّة الْمُنطلِقةِ من الضمير الإيماني قبلَ الرقابة النظاميَّة، فيحرصُ المرءُ -شابًا أو فتاة، صغيرًا أو كبيرًا- على أنْ تكونَ تصرُّفاته في الأماكن العامَّة صورةً مشرقةً تعكسُ تربيته ودينه. فإنَّ الأبوين مسؤولان عن تنشئةِ الأبناءِ على هذه القيم منذُ الصغر، غرسًا وتعويدًا، استرشادًا بقول النَّبي صلى الله عليه وسلم: «كلُكم راعِ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته... والرجل راعِ في أهله...).
وشددت الدراسة المعنونة بـ»الذوق العام.. دراسة تأصيلية فقهية تطبيقية على النظام السعودي»، للباحثة ثمر بنت عبدالله الخليل، وحصلت بها على درجة الماجستير بتفوق في الفقه المقارن بكلية الشريعة بجامعة القصيم، شددت على أن غرْسُ قيمِ الذَّوق العام في نفوسِ النشءِ مسؤوليَّةٌ محوريَّةٌ على عاتق المدارس والجامعات.
وهي اللبنةُ الأُولى والأهم، حيث أوصت الدراسةُ بوضع برنامجٍ تربويّ متكاملٍ لتعزيزِ الثقافة السلوكيَّة الراقية في البيئات التعليميَّة؛ ويتحقَّقُ ذلك عبرَ دمج مفاهيمِ الذَّوق العام في المناهج الدراسيَّة ذاتِ الصلة، مثلَ تشكيل أنديةٍ للأخلاق والذّوق العام في المدارس والجامعات مهمَّتُها تنظيمُ أنشطةٍ توعويةٍ (كالمسرحيات القصيرة، والمعارض الفنيَّة، ومسابقاتِ أفضلِ مبادرةِ احترامِ للذَّوق العام) بما يجعلُ عمليَّةَ التثقيفِ تفاعليةً وجاذبةً للطلاب، كما لم تُغفل التوصياتُ دورَ المعلمينَ وأعضاءِ هيئةِ التدريس؛ فتقترحُ إقامةَ دوراتٍ تأهيليةٍ وتدريبيةٍ لهم حولَ أساليبِ ترسيخِ القيم والأخلاق في نفوسِ الطلَّاب بالقدوة الحسنة والكلمة الطيبة، وبذلك تتكامل الرسالةُ التربويةُ مع الرسالة الأسريَّة في إعداد جيلٍ واعِ يتحلّى باحترام الذَّوق العام عن قناعةٍ راسخةٍ تنطلقُ من تعاليم دينه الحنيف.
وأكدت الدراسةُ أنَّ الإعلامَ بكافة صوره هو المؤثّرُ الأبرزُ في تشكيلِ الذّوق العام أو تشويهه، لذا توصي بتوظيف هذا التأثير في الاتجاه الإيجابي عبر إستراتيجيَّةٍ إعلاميَّةٍ مسؤولة على صعيد الإعلام التقليدي (التلفاز والإذاعة)، وتوصي الجهاتَ الإعلاميةَ بوضعٍ ميثاقِ شرفٍ إعلامي يُراعي مبادئَ الذَّوق العام، بحيثُ يُمنعُ بثّ أو نشرُ أيِّ محتوىً يخدشُ الحياءَ أو يشجّعُ على سلوكيَّاتٍ غيرِ لائقةٍ تتناقضُ مع الآداب العامة، كما يمكن ابتكار وسوم (هاشتاقات) توعوية تحظى برعايةٍ رسميةٍ وتفاعلٍ مجتمعي، وتدعو التوصياتُ أيضًا صُنَّاعَ المحتوى الرقمي (من مشاهير وإعلاميين) إلى تضمينِ رسائل الذّوق العام في محتواهم بشكلٍ إبداعي وغيرِ مباشر، كأنْ يقومَ مشهورٌ بإنتاجِ مقطعِ قصيرٍ يظهرُ فيه وهو يعتذرُ عن خطأٍ ارتكبهُ في مكانٍ عام، أو يصحِّحُ تصرُّفًا غيرَ لائق، أو يوثّقُ رصدَ مخالفةٍ ونحوه، ممَّا يشجّعُ متابعيه على الانتباه أو الاقتداء به.
وأظهرت الدراسة العلمية للباحثة ثمر الخليل عددًا من النتائج المهمة، ومن أهمها: أنَّ الذَّوقَ العامَّ ليسَ مفهومًا طارئًا أو مستحدثًا تنظيميًّا، بلْ هو امتدادٌ لمفاهيمَ فطريَّةٍ وأخلاقيَّةٍ أصلية، يتأسَّسُ عليها البناءُ الشرعيُّ والاجتماعي، ممَّا يُوجبُ إدراكه كمكوّنٍ بنيويّ في تشكيلِ الوعي الحقوقي لا كمجرَّد ضبطٍ سلوكيّ عابر، كما أنَّ الخطابَ الشرعيَّ تضمَّنَ تأسيساتٍ متعدِّدةٍ للذَّوق العام، وإنْ لم يسمِّهِ باسمه، حيثُ تداخلتْ فيه مقاصدُ الحفظِ من الضرر، ومراعاة الستر، وحسن التعامل، بما يجعل الذَّوق مندرجًا تحتَ أحكام التعزير والآداب العامَّة، ويؤهله ليكونَ محلَّا للحكم التكليفي والتجريمي عند الحاجة، كما أتاحَ التقسيمُ الفقهيُّ للذَّوق العام إلى مراتبِ الحكم التكليفي الخمس، فهمًا مرنا وعميقًا لهذا السلوك، ممَّا يفتحُ البابَ أمامَ توظيفه تشريعيًّا وضبطه قضائيًّا على نحو لا يتعارضُ مع الشريعة، بل يُعزز ضبطَ السلوك دونَ انتهاكِ الحريَّات.
وكشفتِ الدراسةُ أنَّ لائحةَ الذَّوق العام في النظام السُّعودي تمثّلُ نوعًا من التنظيم الردعي السريع ذي الطبيعة الوقائيَّة، تستهدفُ معالجةَ الفجوةِ بين الواقع السلوكي المتغير وفاعليَّة الأنظمة، دونَ الحاجة للمرور بالإجراءات القضائيَّة الكاملة، وأنَّ المعيارَ في اللباس اللائق لا يُؤسَّسُ فقط على الضوابط الشرعيَّة، بل يتجاوزُها يشملَ أعرافَ الحياء العامَّة، ومقتضيات احترام المكان والزمان، ممَّا يجعلُ تدخُّلَ الدولةِ في هذا الباب ضرورةً تنظيميةً لا وصايةً تشريعيَّة.
وبِيَّنتِ الدراسةُ أنَّ اللُّغةَ -باعتبارها أداة تواصل- تُعدُّ من أبرز ميادين الذَّوق العام، وأنَّ انحرافها إلى الإساءة اللفظيَّة أو الإيحاء المخالف يخرجُها من مجال التعبير إلى مجال التعدي، ويُوجبُ مساءلتها ضبطًا للسلوك العام وصيانةً للذّوق الجمعي، وأنَّ لائحةَ الذّوق العام تمثّل أحدَ النماذج المتقدِّمة في استخدامِ «الجزاء النظامي الفوري» بوصفه أداةً ردعيةً سريعةً، ممَّا يقلِلُ من ضغطِ القضايا على الجهات القضائيَّة، ويمنح جهات الضبط صلاحيَّةً مباشرةً تحفظُ للذَّوق العام هيبتَه.
وأكدت الدراسةُ أنَّ الذَّوق العامَّ لا يمكنُ ضبطُه إلَّا بفهمِ تراكميّ للسياقات: الفقهيَّة، والنظاميَّة، والاجتماعيَّة، وأنَّ فصلَه عن هذه السياقات يُضعفُ أثره، ويُعرّضه لسوء التفسير أو الاستغلال، مشيرة إلى أن الذَّوقَ العامَّ ليسَ محصورًا في حدود المنع، بل يمتدُّ ليكونَ خطابًا حضاريًا بُعلي من شأنِ الإنسان، ويُعيدُ ترتيبَ العلاقة بينَ الحرية الفرديَّة والمصلحة العامَّة بلغةٍ قانونيَّةٍ رفيعة، ومرجعيَّةٍ شرعيَّةٍ راسخة.