في صباحٍ حزينٍ يشبه صمت المستشفيات بعد انطفاء الأجهزة، غاب «أبو سعد» الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السويلم. لم يكن خبرًا عابرًا في شريط الأخبار، بل كان فراغًا ثقيلاً في قلوبٍ تعوَّدت أن تستند إلى حكمته، وأن تطمئن لوجوده كما يطمئن المريض لنبضٍ يعود بعد قلق.
كان أبو سعد أكثر من طبيبٍ استشاريّ للأطفال؛ كان أبًا لزملائه، ورفيق مهنةٍ يمشي بينهم بتواضع العلماء ووقار القادة. إذا دخل المكان، سكنت الضوضاء، لا رهبةً منه، بل احترامًا له. كان يحمل في صوته طمأنينة الطبيب، وفي نظرته صدق المصلح، وفي حضوره هيبة رجل الدولة.
تدرَّج في مسيرةٍ عظيمة في القطاع الصحي حتى أصبح وكيل وزارة الصحة للشؤون التنفيذية، وهناك لم يكن منصبًا بقدر ما كان رسالة. امتاز بالحكمة والصدق والوفاء والشفافية والنزاهة، ولم يعرف يومًا معنى تضارب المصالح. كان يرى في المريض حقًا أصيلاً لا يُساوَم عليه، وفي المال العام أمانةً لا تُمسّ، وفي بناء الجهاز الطبي السعودي واجبًا وطنيًا يتقدَّم على كل اعتبار.
كانت علاقته بالمريض والمواطن والزملاء والقيادة علاقة قربٍ لا تكلُّف فيها. يعرف الجميع، ويعرفونه. يصغي بصدق، وينصح بجرأةٍ مؤدَّبة، وينصر الحق بلا ضجيج. لم يكن يبحث عن الأضواء، بل كانت الأضواء تبحث عنه.
ثم تولَّى رئاسة هيئة الهلال الأحمر السعودي، فصنع هناك نقلاتٍ نوعية جعلت هذا القطاع أيقونةً يُشار إليها عالميًا. احتضن أبناءه من الموظفين والمسعفين والمختصين، ورفع قدراتهم التعليمية والتدريبية والتقنية حتى بلغوا ما بلغوه اليوم. كان يرى في كل مسعفٍ مشروع قائد، وفي كل موظفٍ أمانةً يجب أن تُرعى.
كسب ثقة ولاة الأمر، أصبح عضوًا في مجلس الشورى السعودي لعدة دورات، عضوًا في اللجنة الصحية ورئيسًا لها. لم يكن حضوره هناك حضور منصب، بل حضور خبرةٍ صادقة ومعرفةٍ عميقة بالقطاع الصحي وقياداته وتفاصيله. احترمه الجميع لعلمه، ولمحبته، ولصفاء نيَّته.
لكن أبا سعد لم يكن رجل مؤسساتٍ فقط، بل رجل قلوب. كان العمل الخيري يسكنه على مدار الساعة. من فكرته وتأسيسه لـ جمعية الأطفال المعاقين، إلى كونه عضوًا مؤسسًا في جمعية عناية الصحية، إلى عشرات الجمعيات العلمية والخيرية التي بصم فيها أثرًا لا يُنسى.
رزقه الله التقوى والصلاح والورع. كان محبًا للمسجد والقرآن، وفيًا للجار، كريمًا مع الأصدقاء، عطوفًا على المرضى. وفتح مجلسه، «ديوانية الأحد»، منذ عشرات السنين، بلا مواعيد ولا أبواب مغلقة. يدخلها الجميع كما لو كانوا يدخلون بيوتهم. لا يعرف النميمة، ولا يذكر أحدًا إلا بخير. يمدح، ويشكر، ويعين بجهده ووقته وماله على خدمة الناس.
كنت أشعر معه -ويشعر كل من يجالسه أنك أنت الأهم. يصغي لرأيك، يشاركك همومك، ويوجِّهك بنصيحةٍ علميةٍ وعمليةٍ وشخصية. عملت تحت إدارته مباشرةً وغير مباشرة منذ عام 1992، فقد كان أبًا حانيًا، وموجِّهًا راقيًا، ورئيسًا قدوة، وزميل مهنةٍ أستاذًا، وجارًا بارًا، وراعياً نزيهًا، ومربيًا، ولم أرَ منه إلا الخير.
ومن أعظم بصماته التي ستبقى ما بقي هذا الوطن: تأسيسه لبرنامج الرعاية الصحية الأولية في المملكة، البرنامج الذي تجاوز اليوم أكثر من خمسة آلاف مركز صحي، ووضع السعودية في مصاف الدول الرائدة في القطاع الصحي. لم يكن برنامجًا إداريًا، بل كان رؤية وطنٍ تُبنى من القاعدة، حيث يبدأ الإنسان.
حتى في بيته، كان أثره ممتدًا. أنشأ أبناءً أفذاذًا صالحين، مقتفين خطاه في الوفاء والمحبة والعطاء.
رحمك الله يا أبا سعد..
كنت رجلًا لا يُشبه إلا نفسه، ورجل دولةٍ لا يتكرر كثيرًا.
رحلت بهدوء كما عشت بهدوء، لكن أثرك سيبقى صاخبًا في كل مستشفى، وفي كل مركز صحي، وفي كل قلبٍ عرفك.
جعل الله الجنة مثواك، وجعل ذكراك نورًا لا ينطفئ.
** **
- د. خالد بن عبدالرحمن الحسين