الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
تعويد الطفل على الصيام في سن مبكرة ركيزة أساسية لتعزيز الانضباط الذاتي، وتحمل المسؤولية، وتقوية الوازع الديني، بالإضافة إلى تعليم الصبر والتعاطف مع الفقراء، كما يساعد في بناء الشخصية، وغرس قيم رمضان الروحية، وتأهيلهم بدنياً ونفسياً لأداء الفريضة مستقبلاً دون مشقة.
«الجزيرة» التقت عددا من المختصين والمهتمين بالشأن الاجتماعي والأسري، لمعرفة رؤاهم في كيفية تعويد الأطفال على الصيام في سن مبكرة، والركائز الأساسية التي يجب مراعاتها لمنح الأطفال روحانية رمضان وقيمة الصيام؛ فماذا قالوا؟
فضائل ومحفزات
يعرف الداعية الشيخ عبدالكريم بن فهد المشيقح: الطفل بأنه العين المفتوحة على القادم، يعشق أن يكون كبيراً، يمارس بعض خصائص الكبار، ومن أجل ذلك ينبغي استغلال هذه الخصلة بما فيه خيره من الأمور الشرعية، والعادات الحسنة، ومن ذلك حثه برفق على الصوم.
عن طريق:
1 - ترغيبه في الصيام مع ذكر فضائل الصيام الدنيوية والدينية.
2 - وضع بعض المحفزات له إذا صام.
3 - اختيار الأطعمة التي تساعده على الصيام.
وغير ذلك مما يحببه في الصيام ويعينه عليه، ولقد قال الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا
على ما كان عوده أبوه
منحة ربانية
وتقول الأستاذة الدكتورة هدى بنت دليجان الدليجان، الباحثة الأكاديمية بجامعة الملك فيصل بالأحساء: ما أجمل أن يعود إلينا شهر السكينة والفرح.. شهر الألفة والحب.. شهر الود والجود والعطاء وقد تزينت له القلوب والأرواح والبيوت والمساجد والأوطان بألوان الزينة، وتفاصيل الموائد، وتجديد الأثاث، وهذا استقبال حافل وجميل تستحقه ساعات وأيام وليالي شهرنا القادم، فهو ضيف عزيز أتى من بعيد، (شَهرُ رَمَضانَ الَّذي أُنزِلَ فيهِ القُرآنُ هُدًى لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى وَالفُرقانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ وَمَن كانَ مَريضًا أَو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أَيّامٍ أُخَرَ يُريدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسرَ وَلِتُكمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُم وَلَعَلَّكُم تَشكُرونَ) [البقرة: 185].
وأبانت د. هدى الدليجان: أن رمضان شهر كريم هو منحة ربانية وعطايا من المنح الإلهية والنعم الهنية يدخل علينا بهلاله الكريم فتتوالى التهاني والتبريكات والاستعدادات للصيام والقيام والبركات، فمن الأولى بالآباء والأمهات والمعلمين والمربين توجيه عقول الأبناء وأجيالنا الذكية لمقاصد هذا الشهر العظيم من القيم الربانية والهبات الرحمانية والآثار التربوية فمنها:
1 - أقرأ وارتق ورتل.. ختمة القرآن الكريم وتدبر معانيه وبث السكينة، وهي تخصيص جائزة في الأسرة أو المدرسة لمن بختم القرآن الكريم ختمة كاملة لكتاب الله المجيد، ومراعاة التدريج حسب الفئة العمرية والإمكانات الذهنية، أي حسب أعمار الأبناء وقدرتهم الذهنية، وهذه من أعظم النعم التي تعلمناها صغاراً وجعلت أرواحنا متعلقة بالقرآن وأهله، وهي تجعل القرآن حاضراً في لغتهم وقيمهم وسلوكهم؛ فهو الحصن الأمين، وسكينة الأرواح، وزينة القلوب، وبيان الألسنة، والدرجة العالية مع السفرة الكرام البررة.
2 - شهر الود والجود.. جود يجود الله عليك؛ فيدعو الآباء والأمهات الأبناء صغاراً وكباراً لتجهيز كرتون الود والجود لمن يستحق من الفقراء من الأقارب والجيران أو توجيهها للجمعيات الخيرية المنتشرة في ربوع وطننا الغالي، فتجهيز هذا الكرتون الصغير بأنواع الأطعمة والاحتياجات العائلية يتضمن تدريبا ميدانياً متميزاً بنشر الود والجود بين الأجيال، ويساهمون من مدخراتهم البسيطة، ليدركوا أن رمضان هو شهر «الود والجود».
واختتمت د. هدى الدليجان الباحثة الأكاديمية بجامعة الملك فيصل حديثها قائلة: الليالي تمر وتتغير.. والموائد تطوى، والزينة تذبل، لكن «الأثر» الذي نغرسه في قلوب أبنائنا في هذا الشهر العظيم هو الذي سيمكث في الأرض نفعاً ونوراً؛ فلنتعاون أن تكون بيوتنا تعبق بالسكينة، وتفوح بالود والجود.
تجربة جديدة
وتفيد الدكتورة حنان العمراني التربوية ومستشارة الصحة المدرسية: أنه عندما ننظر إلى الصيام من عيون الأطفال، نجده ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل تجربة جديدة مليئة بالأسئلة والمشاعر: لماذا نصوم؟ هل سأستطيع؟ ماذا لو تعبت؟
وهنا يأتي دورنا كآباء ومربين، لا لنفرض الصيام، بل لنزرع حبّه في نفوسهم بهدوء وتدرّج، حتى يكبر الطفل وهو يشعر أن الصيام عبادة محببة لا عبئًا ثقيلًا، مشيرة إلى أن علم النفس التربوي يؤكد أن الطفل يتعلم السلوكيات بالمحاكاة والتجربة الإيجابية، وليس بالإجبار.
كما تشير الدراسات التربوية أيضاً إلى أن: «الأطفال يكتسبون العادات المستدامة عندما ترتبط بمشاعر إيجابية وشعور بالإنجاز، لا بالخوف أو الإكراه».
ومن الخطوات المهمة لتدريب الطفل على الصيام الحديث معه عن الصيام بلغة بسيطة تناسب عمره.
ومن الخطأ أن نطلب من الطفل صيام يوم كامل من أول مرة، والأفضل: الصيام حتى الظهر، ثم حتى العصر، ثم تجربة يوم كامل عند الاستطاعة، كما أنه يلزم مراعاة الحالة الصحية للطفل قبل البدء بتعليمه الصيام خاصة إذا كان لديه حالة مرضية معينة.
توعية الطفل
ويشدد الدكتور ساري دعاس استشاري أمراض الأطفال وحديثي الولادة بالرياض: على أن صغار الأطفال لا صوم لهم فهم ليسوا مكلفين ولا أجسادهم تقوى عليه فهم لا يستطيعون تحمل الجوع وما ينجم عنه من نقص في سكر الدم وازدياد الأجسام البكتيرية في الدم، وقد تخور قواهم جراء ذلك لاسيما إذا تذكرنا نشاطهم المستمر وحركتهم الدائبة، ناهيك عن الجفاف الحاصل من انقطاع وارد السوائل والماء، هذا عن صغار الأطفال فماذا عن كبارهم، هؤلاء الأطفال الكبار إن كانوا ممن يتمتعون بجسم كبير وقدرة على التحمل فلا بأس من تعوديهم على الصيام حتى يكونوا جاهزين له في سن التكليف مع مراعاة الأمور التالية:
1 - توعية الطفل وتفهيمه ماهية الصوم ولماذا يصوم وما فائدته.
2- لا إجبار على الصوم للطفل بل يصوم لقناعته ورغبته به.
3 - التدرج في مدة الصوم قد تكون ضرورية عند بعض الأطفال ريثما تتعود أجسامهم على التبدلات الاستقلابية والجفاف الحاصلين، وهذا يعني إمكانية الأطفال عند أي حد تخرج فيه الأمور عن تحمل الطفل.
4 - ينصح الطفل الكبير الصائم بضرورة التقليل من الإجهاد والنشاط المفرط في كل أوقات الصوم لما في ذلك من استنزاف لطاقته وخسارة مزيد من السوائل مما قد يؤثر سلباً عليه.
5 - الطفل الذي لديه مرض مزمن (مثل: الداء السكري، الأدواء الكبدية، والأدواء الكلوية... إلخ) لا صيام له.