المدينة المنورة - خاص بـ«لجزيرة»:
كيف يمكن للسياسات العامة أن ترتقي بمستويات الامتثال والأثر في ظل تعقّد السلوك الإنساني؟ وما حدود النماذج الاقتصادية التقليدية في تفسير قرارات الأفراد والمؤسسات في الواقع العملي؟ ولماذا اتجهت حكومات ومنظمات دولية إلى البحث عن مقاربات تحليلية تستوعب التحيزات النفسية والسياق الاجتماعي؟ وكيف يمكن الإفادة من هذه المقاربات في مجالات ذات طبيعة قيمية وتنموية، كالأوقاف والقطاع غير الربحي؟ هذه التساؤلات شكّلت المدخل الرئيس لدراسة علمية حديثة، حصلت «الجزيرة» على أبرز نتائجها، وتوصياتها، والتي سعت إلى تفكيك هذه الإشكالات، واستكشاف إمكانات الاقتصاد السلوكي بوصفه إطارًا تحليليًا وتطبيقيًا في هذا القطاع.
تناولت الدراسة العلمية المحكمة التي نشرها حديثاً الدكتور عبد القيوم بن عبد العزيز الهندي، أستاذ الاقتصاد المشارك بكلية الأعمال بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بعنوان: تطبيقات الاقتصاد السلوكي في الأوقاف والقطاع غير الربحي، التحول المتدرج في توجهات الحكومات والمنظمات الدولية نحو الاقتصاد السلوكي.
وأوضح الباحث أن هذا التحول جاء نتيجة قصور النماذج التقليدية القائمة على افتراض الإنسان الاقتصادي العقلاني في تفسير جانب معتبر من السلوك الفعلي، وفي دعم تصميم سياسات تحقق الامتثال المنشود للمستهدفات، مبيناً أن الاقتصاد السلوكي قدّم منهجية مختلفة في فهم السلوك الإنساني، تنطلق من دراسة السلوك وآليات اتخاذ القرار كما يحدث في الواقع، مع مراعاة أثر التحيزات الإدراكية، والعوامل النفسية والاجتماعية، ودور القيم والمعتقدات، وأشار إلى أن هذا التوجه أعاد الصلة بين علم الاقتصاد وعلم النفس بعد فترة من الفصل النظري بينهما، وأسهم في تطوير أدوات تحليلية وتطبيقية أكثر التصاقًا بالواقع.
ورصدت الدراسة بدايات التوظيف المؤسسي لهذا الحقل في السياسات العامة، مع تأسيس وحدات التحفيز السلوكي في بريطانيا والولايات المتحدة خلال الفترة 2009 – 2010، وما تلا ذلك من انتشار واسع لهذه الوحدات عالميًا، بما يعكس انتقال الاقتصاد السلوكي إلى مستوى الممارسة المؤسسية.
وأشارت الدراسة إلى أن العالم العربي ودول مجلس التعاون الخليجي يعيشان مرحلة تشكّل أولي في مجال الاقتصاد السلوكي، على المستويين الأكاديمي والتطبيقي، فالمناهج الجامعية لا تزال محدودة في تناول هذا الحقل، كما أن الإنتاج البحثي العربي يفتقر إلى دراسات توثّق التجارب المحلية والإقليمية في هذا المجال، ومع ذلك، رصد الباحث مؤشرات انفتاح متزايدة خلال السنوات الأخيرة على توظيف الرؤى السلوكية في رفع كفاءة السياسات العامة وتحسين نتائجها.
ومن هذا السياق، جاءت فكرة البحث، بهدف الإسهام في بناء قاعدة معرفية عربية في الاقتصاد السلوكي، مع تركيز خاص على المملكة العربية السعودية، وأوضح الباحث أن الأوقاف والقطاع غير الربحي يمثلان مجالًا مناسبًا لتطبيق هذا النهج، بحكم ارتباطهما بالسلوكيات الفردية والجماعية، وطبيعة القرارات التي يتخذها الواقفون والمتبرعون والمتطوعون.
وسعت الدراسة إلى توسيع دائرة الاهتمام الأكاديمي والمؤسسي بالاقتصاد السلوكي، وفتح النقاش حول فرص تعميم تطبيقاته في الأوقاف والعمل الخيري، بما يدعم التحول من المعالجات الإجرائية العامة إلى تدخلات أكثر دقة وملاءمة للسياق المحلي.
وأوضح الدكتور عبد القيوم الهندي أن الاقتصاد السلوكي يقدّم مجموعة من الوعود التي تبرّر توظيفه في العمل الخيري، وفي مقدمتها القدرة على فهم العوامل السلوكية والنفسية المؤثرة في قرارات المانحين والمتبرعين والمتطوعين والمستفيدين والموظفين، ويساعد هذا الفهم في تصميم تدخلات تستهدف بيئة القرار نفسها، بما يقود إلى استراتيجيات أكثر كفاءة في تحقيق الأهداف التنموية.
وبيّن الباحث أن أدوات الاقتصاد السلوكي تتيح لمؤسسات القطاع غير الربحي تحسين تصميم الحملات، وتعزيز الموارد، ورفع الفعالية التنظيمية، وتحسين عمليات اتخاذ القرار، كما أشار إلى إمكان الإفادة من هذه الرؤى في تطوير الهياكل المؤسسية، وزيادة إنتاجية الموظفين، وبناء القدرات البشرية، وتحسين الصورة الذهنية للأوقاف ومؤسسات العمل الخيري.
تناول البحث مجموعة من الأدوات السلوكية التي يمكن توظيفها دون أعباء هيكلية مرتفعة، مثل التحفيز السلوكي، والتأطير، والمرايا العاكسة، وتغيير الخيار الافتراضي، والتبسيط، والتنظيم الاجتماعي، موضحًا أن هذه الأدوات تتيح تدخلات منخفضة التكلفة ذات أثر قابل للقياس.
وخلصت الدراسة إلى أن أدوات الاقتصاد السلوكي قابلة للتطبيق في تحقيق عدد من الأهداف الاستراتيجية للأوقاف، خاصة في مجالات تطوير القطاع الوقفي، ورفع الوعي به، وتحسين منظومة النظارة، وتعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي.
وأكد الباحث أن مواءمة هذه الأدوات مع الخصوصية الثقافية والبيئة المحلية تعزز قابلية التوصيات للتنفيذ، وتدعم تحقيق النضج المؤسسي وتعزيز الموارد المالية.
وفي جانب التوصيات، شدّد البحث على أهمية إنشاء وحدة متخصصة في الرؤى السلوكية ضمن الهيئة العامة للأوقاف، تتولى تصميم التدخلات السلوكية وتقييمها، وتدعم التطبيق المنهجي والمستدام لهذه المقاربات، كما أوصى بتوسيع البحوث التطبيقية في الاقتصاد السلوكي مع تركيز خاص على القطاع الخيري، وتشجيع التعاون متعدد التخصصات بين الاقتصاد والشريعة والعلوم الاجتماعية.
ودعا الباحث إلى تعزيز الوعي المؤسسي بأهمية الرؤى السلوكية، وإدماجها في استراتيجيات وبرامج مؤسسات القطاع غير الربحي، بما يسهم في رفع كفاءة السياسات وتعظيم الأثر التنموي للأوقاف ووحدات القطاع غير الربحي في المملكة العربية السعودية.