حين يتحوّل القرار إلى رؤية، وتترجم الرؤية إلى ممارسة، يولد الأثر. هكذا جاء اللقاء السعودي الفرنكفوني 2025، بوصفه خطوة مؤسسية محسوبة، أعادت تقديم اللغة الفرنسية لا بوصفها لغة تعليم فحسب، بل كأداة معرفة، وحوار، وتمثيل ثقافي.
جاء هذا القرار نتيجة وعي مؤسسي، واختيار استراتيجي مدروس نابع من إدراكٍ عميق لدور اللغات في تشكيل الوعي الأكاديمي، وفي تعزيز الحضور الثقافي للمملكة داخل جامعاتها وخارجها. ومع انقضاء عام 2025، تتجلّى ملامح هذه التجربة بوصفها فصلًا جديدًا في علاقة الجامعات السعودية باللغات العالمية، فاللغة هنا لا تُدرّس لذاتها، بل تُستثمر في صناعة الحضور، وبناء الصورة، وصياغة الخطاب الذي يعبّر عن المملكة في فضاءات دولية متعددة. ومن هذا الوعي العميق بدور اللغة، جاء اللقاء السعودي الفرنكفوني ليقدّم نماذج حيّة تؤكد أن التمكّن اللغوي حين يقترن بالمسؤولية، يتحوّل إلى قوة تمثيل، وإلى رافعة وطنية ذات أثر ممتد.
يأتي هذا الإنجاز في إطار دعم كريم ورعاية كريمة من معالي وزير التعليم الأستاذ يوسف بن عبدالله البنيان، الذي عكست رعايته لهذا اللقاء إيمان الوزارة بأهمية المبادرات الثقافية واللغوية النوعية، ودورها في تعزيز الحضور الأكاديمي والثقافي للمملكة، وتمكين الجامعات من أداء رسالتها في بناء الإنسان. كما تحقّق هذا اللقاء بدعم واهتمام رئيسة جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن المكلفة الدكتورة فوزية بنت سليمان العمرو التي آمنت بأهداف اللقاء ورسائله، ووفّرت له البيئة المؤسسية الداعمة، انطلاقًا من قناعتها بأهمية الاستثمار في اللغات، وتعزيز الشراكات الثقافية، وتمكين المبادرات التي تعكس هوية الجامعة ودورها الريادي محليًا ودوليًا.
ويُسجَّل كذلك تقدير خاص لـ الشريك الثقافي: جمعية الترجمة السعودية، لما قدّمته من دعم مهني وثقافي أسهم في إثراء اللقاء، وترسيخ بعده التخصصي، وتعزيز جسور التعاون بين الأكاديميين والممارسين، بما يخدم مهنة الترجمة، ويرسّخ حضورها بوصفها أداة معرفة وتأثير وحوار بين الثقافات. وفي قلب هذا المشهد الثقافي، حضر الشعر بوصفه ذاكرة وهوية وصوتًا سعوديًا قادرًا على العبور بين اللغات. فقد جاء استحضار شعر الأمير بدر بن عبد المحسن بوصفه إحدى العلامات الفارقة في التجربة الشعرية العربية المعاصرة. ويأتي هذا الحضور امتدادًا لمبادرة ثقافية نوعية سابقة أطلقتها مؤسسة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان “مسك”، عُنيت بترجمة شعر الأمير إلى اللغة الفرنسية، وقد قُدّمت هذه المبادرة على منصة دولية بحضور الأمير نفسه، الذي ألقى قصائده باللغة العربية في مقر منظمة اليونسكو، في لحظة ثقافية جسّدت عالمية الشعر السعودي وقدرته على مخاطبة الآخر دون أن يتخلى عن لغته الأم.
وانطلاقًا من هذا الإرث الثقافي، أعاد اللقاء السعودي الفرنكفوني توظيف التجربة في سياق أكاديمي تطبيقي، بوصفه مشروعًا صمّمه ونفّذه قسم الترجمة بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، حيث جرى إعداد الطالبات وتأهيلهن لغويًا وأدائيًا ضمن مسار تعليمي مقصود، تُرجم إلى أداء متمكن. وقد تولّت الطالبات إلقاء القصائد باللغتين العربية والفرنسية بإتقان عكس سلامة التأهيل الأكاديمي، وعمق الفهم النصّي، والقدرة على الانتقال بين لغتين، في مشهد جسّد تكامل المعرفة النظرية مع الممارسة التطبيقية، وأكّد أن ما بدا فعلًا ثقافيًا كان في جوهره نتاج عمل أكاديمي ممنهج. كما استُكملت هذه التجربة بنماذج لإلقاء شعر فرنسي مُترجَم إلى اللهجة النجدية، في مقاربة ثقافية جريئة، جاءت هي الأخرى ثمرة تدريب لغوي واعٍ، أبرز مرونة اللغة المحلية، وقدرتها على احتضان المعنى القادم من ثقافة أخرى دون التفريط في أصالتها.
ومن بوابة الدبلوماسية الثقافية، استُحضرت في اللقاء قصة سعودية وُلدت من التمكّن الواعي من اللغة الفرنسية، لا بوصفها مهارة مكتسبة، بل خيار معرفي تشكّل مع الزمن، ورافق مسارًا مهنيًا طويلًا في تمثيل الوطن خارج حدوده. حكاية لغة لم تبقَ حبيسة القاعة أو النص، بل تحوّلت إلى أداة حضور، وإلى خطاب قادر على نقل صورة المملكة بثقة، وبناء مساحات تفاهم، وصياغة علاقات قائمة على الاحترام المتبادل. قصة أكدت أن اللغة، حين تُكتسب بوعي ومسؤولية، تصبح رأسمالًا رمزيًا، ومسار حياة، ورصيدًا وطنيًا يُستثمر في لحظات القرار والتمثيل. وقد جاءت هذه القصة، في عمقها ودلالاتها، لتجسّد تجربة سعادة سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الجمهورية الفرنسية، الأستاذ فهد بن معيوف الرويلي، بوصفها نموذجًا حيًا للدبلوماسي السعودي الذي لم تكن اللغة الفرنسية في مسيرته مجرد أداة تواصل، بل رافد معرفي أسهم في تمثيل الوطن على أكمل وجه. أعاد هذا اللقاء تعريف دور اللغة الفرنسية، حيث لم تعد محصورة في قاعات الدرس، بل امتدت إلى ميادين الترجمة المتخصصة، ونقل الأدب السعودي إلى لغات العالم، والتواصل المؤسسي، وصناعة المحتوى الثقافي، والاقتصاد الإبداعي. وقد التقى في فضائه أكاديميون، ومترجمون، وطلبة، ومثقفون، وممثلو جهات ثقافية ودبلوماسية، في مشهد يعكس نضج التجربة السعودية في إدارة التنوع اللغوي وربطه بالهوية الوطنية.
تناولت جلسات اللقاء محاور متعددة، من بينها الدبلوماسية، والسياحة، وحضور اللغة الفرنسية في التعليم العام بوصفها حاجة متزايدة في المرحلة الراهنة، إضافة إلى دور الفرنسية في قطاع الأعمال، وما تتيحه من فرص مهنية واقتصادية في عالم متعدد اللغات. وقد أُثري اللقاء بالترجمة الفورية والمكتوبة، بما عكس احترافية التنظيم، ورسّخ مفهوم الوصول اللغوي، وأتاح للجميع التفاعل مع المحتوى دون حواجز. كما عُزز البرنامج بعروض مرئية متنوعة، من بينها عرض خاص لشخصيات سعودية وقامات وطنية ناطقة باللغة الفرنسية، خدمت الوطن في مجالات متعددة، وشكّلت نماذج ملهمة في مساراتها المهنية. واستُكملت هذه الصور بقصص حية قدّمها على المسرح أبناء وبنات الوطن من مجالات الطب، والمحاماة، والرياضة، والسياحة، وريادة الأعمال، في رسالة واضحة مفادها أن اللغة ليست حكرًا على تخصص، بل أفق مفتوح لكل طموح.
واختُتمت هذه السلسلة من القصص الملهمة بأوبريت وطني لأغنية “يا بلادي واصلي”، تلك الأغنية الراسخة في ذاكرتنا وثقافتنا، وقد أُديت باللغة الفرنسية، وغنّاها تلاميذ سعوديون ناطقون بهذه اللغة، في مشهد مؤثر جسّد فكرة الامتداد، وأكد أن الهوية الوطنية قادرة على أن تُحكى بلغات متعددة دون أن تفقد روحها، وأن الأجيال القادمة تحمل هذا الإرث الثقافي بثقة، وتواصل به خطاب الوطن إلى العالم.
ويتقاطع هذا الحدث بشكل طبيعي مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي يقود مسيرتها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حيث أصبحت الثقافة والتعليم واللغة أدوات فاعلة في مشروع وطني شامل يعيد تشكيل صورة المملكة ومكانتها عالميًا. فاللقاء السعودي الفرنكفوني يعكس هذا التوجه، ويترجمه إلى ممارسة واقعية داخل الحرم الجامعي.
وفي ضوء هذا الأثر المتحقق، يفتح اللقاء السعودي الفرنكفوني آفاقًا عملية تتجاوز زمن انعقاده، وتؤسس لمسار تطوير مستدام للغة الفرنسية في السياق السعودي. ففي مقدمة هذه الآفاق، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في موقع اللغة الفرنسية ضمن منظومة التعليم العام في المملكة، بما يسهم في تعزيز الانفتاح المعرفي والاقتصادي في عالم تتشابك فيه اللغات مع الفرص. ويتكامل هذا التوجّه مع أهمية استثمار المنصات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي في تطوير تعلم اللغة الفرنسية، بما يواكب التحولات التعليمية العالمية، ويجعل اكتساب اللغة أكثر مرونة وانتشارًا وتأثيرًا.
وعلى المستوى المؤسسي، يبرز اللقاء بوصفه منصة لإطلاق شراكات نوعية، من بينها إبرام اتفاقيات تعاون بين قسم الترجمة بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن ومؤسسات تُعنى بالتراث الوطني، إلى جانب شركاء فرنكفونيين، في مجالات الترجمة المتخصصة من اللغة العربية إلى الفرنسية وبالعكس، بما يخدم نقل الإرث الثقافي السعودي إلى الفضاء الفرنكفوني، ويعزّز حضور المملكة الثقافي عالميًا. وفي السياق نفسه، تتأكد أهمية إعداد دليل متخصص للترجمة السياحية باللغة الفرنسية، بالشراكة بين الجامعة والجهات المعنية بالسياحة والتراث، دعمًا لقطاع السياحة، ورفعًا لجودة المحتوى الموجّه للزائر الدولي.
أما في البعد الأكاديمي والمهني، فتتجلّى الحاجة إلى دعم برامج التبادل الطلابي بين الجامعات السعودية والفرنسية، وتأسيس برامج تدريب تعاوني مع الشركات السعودية في التخصصات المرتبطة باللغة الفرنسية، بما يربط التمكّن اللغوي بسوق العمل، ويعزّز جاهزية الخريجات المهنية. ويتكامل ذلك مع عقد شراكات مع المنظمات الدولية الفاعلة داخل المملكة، لفتح مسارات للتدريب المهني في مجالات اللغة الفرنسية والترجمة، إلى جانب تنظيم معسكرات تدريبية داخل هذه المنظمات، تهيّئ الطالبات للأجواء المهنية الدولية، وتكسبهن خبرة عملية في بيئات متعددة الثقافات.
ويكتمل هذا المسار عبر التوجّه نحو إنتاج محتوى رقمي نوعي يسلّط الضوء على الإنجازات البحثية والترجمية، والتعاون الثقافي في السياق السعودي الفرنكفوني، بما يسهم في بناء سردية معرفية معاصرة عن المملكة بلغات متعددة. كما يفتح اللقاء المجال لتعزيز الشراكات الاقتصادية السعودية، وإبرام اتفاقيات تعاون بين الشركات الوطنية والمؤسسات الاقتصادية الفرنكفونية، بما يجعل اللغة الفرنسية أداة فاعلة في دعم الاقتصاد المعرفي، ورافدًا من روافد الحضور السعودي في الفضاء الدولي.
ومع دخولنا على مشارف عام 2026، فإن القيمة الحقيقية لهذا اللقاء لا تكمن فقط في كونه الأول من نوعه، بل في كونه بداية لمسار يمكن البناء عليه؛ مسار يجعل من اللغة إحدى أدوات التنمية. هكذا يُختتم عام 2025 بإنجاز لا يُقاس بزمن انعقاده، بل بما فتحه من آفاق، وبما أرساه من قناعة بأن اللغة، حين تُدار برؤية وطنية، تصبح جزءًا من مشروع المستقبل، ووجهًا من وجوه الحضور السعودي الواثق في العالم.
** **
د. عبير الدخيل - رئيسة قسم اللغات والترجمة بجامعة نورة