من الموضوعات البحثية، الإدارية المستجدة، تبعاً للنظريات الإدارية الحديثة، التي تفتقر إلى جهود الورّاقين الجادّة؛ موضوع (إدارة الالتزام) Compliance Management)) وهو مفهوم يدور حول أخلاقيات العمل، وبخاصة الحقوق والواجبات الإدارية، ويمكن القول: إنه يركز بشكل أدق على الواجبات التي تترتب لأجلها الحقوق.
ومن حيث المفهوم الإجرائي فإدارة الالتزام هي: منظومة سياسات وإجراءات وسلوكيات تنظيمية تهدف إلى ضمان التزام الأفراد والمؤسسات بالأنظمة، واللوائح، والمعايير المهنية، والقيم الأخلاقية، بما يحقق الشفافية السهلة، والحوكمة الرشيدة، ويحد من المخاطر القانونية والتنظيمية.
ومن وجهة نظري فإن أهمية إدارة الالتزام تنبع من عدة ضرورات، أولها: حماية المنظمة من المخاطر القانونية والمالية، وثانيها: تعزيز النزاهة والمساءلة، وثالثها: شفافية العلاقة بين أطراف المنظمة أو المؤسسة، ورابعها: رفع مستوى الثقة المؤسسية داخلياً وخارجياً، وخامسها: دعم الاستدامة وتحسين السمعة المؤسسية.
وبالتالي فإن إدارة الالتزام، تهدف إلى: ضمان الامتثال للأنظمة والتشريعات ذات العلاقة، وترسيخ ثقافة الالتزام كقيمة مؤسسية لا إجراء رقابي فقط، والكشف المبكر عن المخالفات ومعالجتها، وتحسين كفاءة الأداء، وتقليل الهدر، والمخاطر. ولكي تتضح صورة منظومة إدارة الالتزام؛ فلا بد من الوعي بسلامة عناصر هذه المنظومة، بدءاً بالإطار النظامي، حيث السياسات، واللوائح، والأدلة الإجرائية. وتثنية بالحوكمة والدعم القيادي، أي التزام الإدارة العليا بأن تكون قدوة في تنفيذ وتطبيق هذه المنظومة. أما العنصر المهم ثالثاً فهو قوة التوعية والتدريب، لأنها القوة المعنوية التي تستطيع بناء وعي مستمر لدى الموظفين. ويأتي رابعاً عنصر إدارة المخاطر، الذي يهدف إلى تحديد وتقييم مخاطر عدم الالتزام. ثم يجيء العنصر الخامس، وهو: المراقبة والتقييم لحراسة المنظومة من خلال مؤشرات أداء عملية، ومراجعات مستمرة، وتدقيق بصير. وأخيراً يأتي عنصر الإبلاغ والمعالجة، في قنوات واضحة، وآمنة، مع الاستعانة بالتقنيات الحديثة، التي تسهل التواصل الإيجابي؛ للإبلاغ عن المخالفات، وإحاطة المبلّغ بثمرة بلاغه. ومن المؤكد أن منظومة بهذه الأهمية ولها هذه الأهداف؛ ستواجه تحديات متعددة ومتنوعة كماً وكيفاً، من جميع الأطراف: الموظف أو المسؤول أو المؤسسة. فمن تلك التحديات الشائعة، أولاً: النظر للالتزام بصفته عبئاً إدارياً، لا قيمة مضافة.
وثانياً: ضعف الوعي أو غموض الإجراءات، وثالثاً: تضارب الصلاحيات أو ضعف المساءلة، ورابعاً: مقاومة التغيير الثقافي داخل المنظمة أو المؤسسة من الموظف أو المسؤول.
ولمواجهة هذه التحديات؛ يجب أن يستقر في أذهاننا أنه من المستحيل معالجتها بجهد فردي أو مبعثر، بل لا بد لضمان نجاحها وتميّزها من تعاون جميع الأطراف: المؤسسة والمسؤول والموظف.
وفي هذا السياق أستعرض بعض الممارسات الفعّالة لتعزيز الالتزام، ومن أهمها: ربط الالتزام والموظف بالأداء الوظيفي والحوافز، وتسهيل الإجراءات، ووضوحها، وعدم إثقالها بالقيود غير الضرورية، والتواصل المستمر مع الشفافية، والقيادة بالقدوة لا بالرقابة فحسب.
وقبل ذلك كله الوعي الحكيم بأن إدارة الالتزام ليست وظيفة تنظيمية معزولة، بل يجب أن تكون ثقافة مؤسسية، تبدأ من القمة وتمتد إلى أدق تفاصيل الممارسة اليومية، وكلما تحوّل الالتزام إلى قناعة، تحوّلت الأنظمة من قيود إلى أدوات تمكين.
ولتوضيح ما سبق أن بينته من المفاهيم والإجراءات؛ سأضرب أمثلة تطبيقية، من البيئة العملية. فمثال تضارب المصالح: وضع موظف مشارك في لجنة تَرْسِيَة مناقصة أو مزايدة، وله علاقة غير مباشرة بمورد متقدم؛ فهنا يمكن إثارة عدة أسئلة للنقاش، وإيضاح موطن الخلل من خلال التطبيق العملي: أين الخلل في الالتزام؟ ما الإجراء الصحيح الذي يجب اتخاذه؟ ما مسؤولية الإدارة في منع تكرار الحالة؟ ومن وجهة نظري الشخصية سيتضح من الإجابة عن هذه الأسئلة أن الالتزام ليس نزاهة شخصية فقط، بل إفصاح وإجراء!
ومثال تجاوز الإجراءات: وضع مدير يتجاوز إجراءً نظامياً؛ بدافع تسريع العمل، بحسن نية؛ فهنا نسأل: هل حسن النية يعفي من المساءلة؟ ومتى يصبح التساهل خطراً مؤسسياً؟ وكيف نوازن بين الإنجاز والالتزام؟
وعند الإجابة عن هذه الأسئلة ومناقشتها فسيظهر لنا - بوضوح تام - أن الالتزام لا يعادي الكفاءة، بل يحميها!
ومثال ضعف الإبلاغ عن المخالفات: وضع موظفين يعلمون بمخالفة، لكنهم لا يبلّغون عنها؛ خوفاً من العواقب. فهنا ستثار عدة أسئلة تحتاج إلى قناعات وليس فقط إجابات: ما العائق الحقيقي؟ أهو ثقافي أم إجرائي؟ وكيف نصمم قناة إبلاغ آمنة؟ وما مسؤولية القيادة هنا؟
وسنخلص - عند الإجابة عن هذه الأسئلة - إلى أن غياب الإبلاغ؛ أخطر من مجرد وجود المخالفة.
ولا يفوتني أن أؤكد على أن هدفي من هذه الأمثلة التطبيقية والنقاشات حولها؛ إنما هو التنبيه إلى ضرورة الوعي بعدة نقاط مهمة، منها: خطورة عدم الالتزام، وخطر التعرض للتحديات المحتملة، وضرورة وجود الإجراء الوقائي.
ومن ثم التوصل إلى أهم أهداف إدارة الالتزام وهي:
1- تنمية الحسّ الاستباقي للالتزام.
2- أن هذه المنظومة الإدارية التزام مقنَّن ومحدّد، وليست اجتهاداً فردياً.
3- إزالة الرمادية في الفهم؛ لأن هذه الإزالة ضرورة علاجية للوعي.
4- الانتقال من الفهم إلى التصميم.
وختاماً أدعو القراء الكرام والقارئات الكريمات إلى تقييم مدى الوعي الذاتي بأهمية وتطبيق إدارة الالتزام؛ عن طريق الإجابة عن بعض الأسئلة الافتراضية، ومن ثم قياس مدى الوعي بتلك الأهمية وتطبيقه عملياً:
- هل أفهم مسؤولياتي النظامية بوضوح؟
- هل أعرف أين أبلّغ عند الاشتباه؟
- هل أرى الالتزام قيمة أم عبئاً؟
- هل أمارس القدوة في موقعي؟
من خلال هذا القياس الذاتي ؛ يتم بناء ثقافة الوعي بمنظومة إدارة الالتزام، مع ربطه بالشفافية، والحوكمة، هو الربط المطلوب لإثمار نتائج متميزة وباهرة.
وهذا واضح جداً من خلال ما أكدته رؤية المملكة 2030، من خلال رسالتها وأهدافها وإجراءاتها، وما صرَّح به عرّاب الرؤية رئيس مجلس الوزراء، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان من العناية المركزة على الالتزام بالشفافية، والحوكمة، وتنفيذ ذلك كله مؤسسياً من خلال هيئة مكافحة الفساد وغيرها من الجهات الرقابية الأخرى، الخاضعة للحوكمة.
وعند تأملي في رؤية المملكة 2030 ظهر لي أن الالتزام هو السلوك، والشفافية هي الضوء، والحوكمة هي الإطار الذي يمنع العتمة، وأن الرؤية لا تضع أنظمة ولوائح وإجراءات فحسب؛ بل إنها تبني قناعات، وهذا هو الأهم والأبقى. فالقناعة رسالة لا جدول دوام فحسب.
وبالله التوفيق،،،،،،
** **
أشواق بنت دخيل الخميس - معهد تعليم اللغة العربية للناطقات بغيرها - جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن