منصور بن صالح العُمري
تأمّلها... لم يقل: علينا، وكأن البلاء حملٌ يُثقِل، بل قال: لنا... وكأن وراء كل قدرٍ عطية، وداخل كل ألمٍ اصطفاء. “لنا” أي أن المصيبة -في ميزان الإيمان- ليست عشوائيةً هائمة، بل رسالةٌ مخصوصة، وتربيةٌ مقصودة، وخيرٌ مؤجَّل قد لا تُدركه العين العجلى، لكن يوقن به القلب الذي عرف ربّه.
الموحّد لا يرى القدر سيفًا مسلولًا، بل يدًا رحيمةً تقوده إلى مقامٍ أرفع، وإن مرّ الطريق عبر حالة من الدموع. غير أن الطمأنينة القرآنية ليست تخديرًا، وليست ستارًا يُخفى خلفه التقصير؛ فالكتاب نفسه يوقظنا برفقٍ لا يخلو من حزم: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) هنا تتكامل الصورة... قدرٌ لنا، وتقصيرٌ منّا، وربٌّ يربّي ولا يُهمل، ويؤدّب ولا يقطع. فإذا نزل البلاء، فليكن أول ما ينزل معه:
انكسارٌ صادق، واستغفارٌ خاشع، ومراجعةٌ تسبق الشكوى.
فالطمأنينة الحقّة ليست أن نقول: “هذا قدَر” ثم نمضي، بل أن نقول: “هذا قدَر”... ثم نفرّ إلى الله. (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) نفرّ إليه من ذنوبنا، ومن غفلتنا، ومن تدبيرنا القاصر، ومن ظنوننا القلقة. نفرّ إليه كما يفرّ الطفل إلى صدر أمّه، وكما يلوذ الغريق بخشبة النجاة، نفرّ إليه لأن لا ملجأ منه إلا إليه. وما أكثر ما تُرفع البلايا حين يُرفع الاستغفار، وما أكثر ما تُحفظ القرى حين تُغلق أبواب المجاهرة، فإن الذنب إذا استعلن استجلب النقمة، وإذا سُتر وتُيب منه استجلب الرحمة.
(وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) يا صاحب القلب الحائر... لا تكن في زمن الخوف بوقَ فزع، بل كن بشيرَ خير. ذكّر الناس أن فوق الغيم شمسًا، وأن بعد العسر يسرًا، وأن الذي كتب البلاء هو الذي قال: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)
كن ناصحًا أمينًا، تجمع بين رجاءٍ يفتح النوافذ، وخوفٍ يُصلح المسار. تذكّر بلطف الله فلا تُقنِّط، وتذكّر بسننه فلا تُجفل. فبالإيمان تُرفع الشدائد، وبالعمل الصالح تُحفظ المجتمعات، وبصدق التوبة تنقلب المحنة منحة.
وفي نهاية الطريق... سيكتشف المؤمن أن كل ما كُتب له، لم يكن ليؤذيه، بل ليصنعه، وليرفعه، وليردّه إلى محراب القرب. فاطمئن... فالذي كتب عليك البلاء، كتب لك النجاة، وكتب لك الأجر، وكتب لك نفسه وليًّا وكافيًا. (هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).