عبدالكريم بن دهام الدهام
في ظل العدوان الإيراني المستمر سيتكرر السؤال حول عوامل هذا السلوك، الذي يترجم محاولة لتصدير الاضطرابات الداخلية إلى الخارج عبر تلفيق التوترات الإقليمية على نحو لا يفيد أمن وأمان المنطقة ولا اطمئنان شعوبها. فحين تنحسر الخيارات على المستوى الداخلي، تلوذ بعض الأنظمة إلى التصعيد الخارجي لتشتيت الأنظار، غير أن مثل هذه السياسات لا تهدف إلا إلى زيادة من التعقيد وتكثيف الأزمات.
على الاتجاه المقابل، ثبَّت وطننا الكبير «المملكة العربية السعودية» منهجاً راسخاً يستند على الأخذ بالدبلوماسية وإرساء الحوار والتحكم بالنفس. فمنذ تأسيسها، أخذت المملكة سياستها الخارجية بشكل متوازن تدعو إلى تقدير السيادة وعدم التدخل في العمق الداخلي للدول، وتقر بأن الاستقرار والاطمئنان الإقليمي واجب جماعي لا يتحقق إلا عبر التضامن واللجوء إلى القانون الدولي.
المملكة كانت وستكون حاثّة على السلام، حتى وهي تحوز الإمكانيات العسكرية والقدرات الدفاعية ما يجعلها تحمي أرضها وتصون سيادتها. فالقوة في المفهوم السعودي ليست وسيلة أبداً للتصعيد، بل هي ضمان للأمن والاستقرار وكف أي عدوان، في إطار مسؤول يجلّ القوانين ويحترم الأعراف الدولية. وعلى هذا السياق، أثبتت القوات المسلحة السعودية أنها تمتلك درجات عالية في الجاهزية والكفاءة في المواجهة للهجوم الجوي، مبرهنة قدرتها على الدفاع عن أجواء المملكة وصيانة أمنها بكل جرأة واحترافية واقتدار. لقد ترجم أداؤها شجاعة وانتباهاً وروحاً وطنية كبيرة، مثلّت المستوى التدريبي المتقدم والتخطيط العالي المحكم الذي تحظى به، ورسّخت بأن الدفاع عن الوطن وسيادته تعتبر أولوية ترفض التقصير والتراخي والتهاون.
وفي أحلك الظروف، يبرز تعاضد المجتمع السعودي مثالاً يُهتدى به، فالمواطنون والمقيمون على ثرى هذا الوطن الطاهر يقفون جميعاً على شكل صف واحد خلف القيادة الحكيمة، مدركين أن وحدة الصف هي العنصر الرئيسي لصيانة الإنجازات الوطنية والدفاع عن مكتسبات التنمية، هذا التماسك الوطني يترجم عمق الثقة المتناهية بين القيادة والشعب، ويبرهن على أن المملكة بيتٌ واحد يجمع الكل تحت راية واحدة.
كما أن التعاطف العالمي والإدانات القوية اللهجة للعدوان الإيراني السافر والغاشم، وذلك من خلال الاتصالات المتعددة بسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- من الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وغيرهم من القادة والرؤساء، تثبت المنزلة الرفيعة التي تحظى بها المملكة على الساحة الدولية، والثقة بنهجها الراسخ وتأثيرها الفاعل في تعزيز السلام والأمن والأمان.
إن هذا التضامن العالمي دليل واضح على تقدير واحترام المجتمع الدولي لسياسة المملكة القائمة على الحكمة وتغليب الحوار والهدوء، والانصياع للقانون، والعمل يداً واحدة من أجل استقرار المنطقة وتنميتها وازدهارها.
إن العدوان الإيراني السافر على المملكة وجميع دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا والأردن وأذريبجان والعراق يمثل انتهاكاً واضحاً لمبادئ حسن الجوار والتفاهمات، وخروجاً على التقاليد الدولية التي تستند عليها العلاقات بين الدول. فميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي يؤكدان احترام السيادة والأمن والاستقرار والامتناع عن الترهيب باستخدام القوة أو الركون إليها، وأي تعدي لهذه المبادئ لا يقلقل أمن المنطقة فقط، بل يلقي مرتكبه في مواجهة عزلة على المستوى الإقليمي والدولي بشكل متزايد.
وقد عبّر الاجتماع الطارئ عبر تقنية الفيديو كونفرنس لوزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والاتحاد الأوروبي عن هذا الموقف، وأكد من الجانب الخليجي سعادة الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني، وزير الخارجية، رئيس الدورة الحالية للمجلس الوزاري لمجلس التعاون، بأن دول مجلس التعاون تحتفظ بحقها في مواجهة هذا العدوان الصارخ واتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية أمنها واستقرارها، وكذلك سلامة أراضيها ومواطنيها والمقيمين على أراضيها، ويشمل ذلك الحق في الدفاع الفردي والجماعي عن النفس وفقًا للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.
وشدد وزير الخارجية أن مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي يشتركان في الالتزام بتحقيق السلام والأمن في المنطقة وصون مبادئ القانون الدولي، مشيرا إلى أنه يتعين على شركائنا أن يؤكدوا بوضوح دعمهم لهذه المبادئ، وأن يرى شعب مجلس التعاون موقفًا أوروبياً حازماً يتمثل في إدانة العدوان الإيراني غير المبرر، وإظهار التضامن مع الدول المستهدفة، والدعوة إلى وقف فوري لهذه الهجمات. وعلى ضوء هذا المشهد، يتحقق أن معادلة الأمن والأمان والازدهار والاستقرار في المنطقة لا تُبنى على منطق التأزيم والتصعيد، بل على احترام السيادة والمسؤولية بالقانون الدولي وتوطيد المشاركة على المستوى الإقليمي.
والمملكة، وهي تتشبث بثوابتها المستقرة، تسير بكل ثقة واتزان، تجمع بين قوة الصد وحكمة الدبلوماسية، وبين متانة الموقف ومرونة الحوار، ومغازيها في ذلك واضحة بأن حماية السيادة لا تتضارب مع الدعوة إلى السلام، وأن الحرص على الحق المُساند بالشرعية الدولية، والمدعوم بوحدة وتلاحم الصف الوطني والخليجي، هو الكفيل الحقيقي لصيانة الأوطان وتثبيت أمن مستدام يشمل المنطقة بأسرها.