صالح الشادي
في زمن البداوة والفرقة، وقبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، نزل خبر غريب على مسامع قريش. خبر لم يأتِ من كهان ولا عرافين، بل نزل في كتاب يتلى. كان الخبر عن هزيمة أمة بعيدة، ثم نصرها بعد سنوات. وما أدراك ما قيمة هذا الخبر في زمن لم يكن فيه صحف ولا أقمار صناعية؟ لكن العجيب أن الخبر تحقق كما قيل، فكان درساً في التاريخ لم يُقرأ بعد.
تقول الرواية التاريخية الموثقة: في عام 614 أو 615 ميلادي تقريباً، حققت الإمبراطورية الفارسية (الساسانية) نصراً ساحقاً على الإمبراطورية الرومية (البيزنطية) في منطقة «أدنى الأرض»، أي أقرب بقاع الشام إلى جزيرة العرب. كانت الهزيمة قاسية، فقد خسر الروم القدس والصليب المقدس وانسحبوا مهزومين. وهنا تحديداً يأتي موضع العجب. ففي تلك الفترة الحرجة، نزلت آيات تتحدث عن الهزيمة وتعد بالنصر في زمن محدود: «في بضع سنين». والبضع في لغة العرب ما بين الثلاث إلى التسع. لم يكن المنطق العسكري يومها يرجح عودة الروم. فالفرس كانوا في أوج قوتهم، والإمبراطورية الرومية تعاني التصدع والضعف. لكن الذي حدث بعد سبع سنوات أو ثمان، أن الإمبراطور هرقل أعاد بناء جيشه، وشن هجوماً معاكساً اخترق به عمق الأراضي الفارسية، وانتهى به المطاف إلى تدمير معقل الفرس وقتل ملكهم كسرى، واستعادة كل الأراضي المغتصبة.
اللافت في صياغة النبوءة أنها لم تقل: «غلبت المجوس النصارى» أو «انتصر أهل الكتاب على عبدة النار». بل استخدمت كلمة «الروم» و»الفرس»، أي الجنسين أو الدولتين. وذلك لأن العبرة في الصراعات الدولية ليست بالشعارات الدينية التي يرفعها المتحاربون، بل بالتوازنات والمصالح والإرادات البشرية التي تتحرك تحت سقف الأقدار. الروم كانوا نصارى مختلفين في المذاهب، والفرس كانوا مجوساً، لكن الحرب لم تكن حرب دين. كانت حرب دول وإمبراطوريات. هذا هو المنظور الذي يقدمه النص، وهو منظور يدعو إلى قراءة التاريخ قراءة واقعية لا تلتبس فيها الشعارات بالحقائق.
المفارقة العجيبة أن النصر الرومي الباهر على الفرس عام 628م كان بداية النهاية للإمبراطوريتين معاً. فالحروب الطويلة أنهكت الطرفين، واستنزفت خزائنهما، وأرهقت شعوبهما بالضرائب. في تلك اللحظة بالذات، كانت قوة ثالثة في الجنوب تستعد للظهور. ففي عام 636م، أي بعد ثماني سنوات فقط من النصر الرومي، التقت جيوش الإمبراطوريتين المنهكتين بجيوش قادمة من جزيرة العرب. في اليرموك انكسر الروم وانسحبوا من الشام، وفي القادسية سقط الفرس إلى غير رجعة. كانت تلك بداية عصر جديد، العصر العربي الذي امتد من حدود الصين إلى المحيط الأطلسي. الطريف أن ذات المنطقة التي شهدت هزيمة الروم الأولى (أدنى الأرض) هي ذاتها التي شهدت عبور الجيوش العربية نحو الشام. وكأن الجغرافيا تكتب سيناريوهاتها بإيقاع ثابت.
إذا قفزنا بالزمن إلى اليوم، نجد المشهد يتكرر بوجوه جديدة. فالولايات المتحدة الأمريكية تمثل اليوم «الروم» بامتياز: القوة العظمى الغربية التي ترث الحضارة الأوروبية، والتي تسعى للهيمنة على العالم. أما إيران فهي امتداد جيوسياسي وثقافي للإمبراطورية الفارسية القديمة، بنفس الاسم، ونفس الموقع، ونفس الطموحات الإقليمية. الذي يجري اليوم في المنطقة العربية من صراعات، وتصريحات متبادلة، وتحشيد للحلفاء، وقتال بالوكلاء، هو في جوهره امتداد لهذا الصراع القديم بين القوة القادمة من الغرب والقوة الفارسية الشرقية. لكن التغليف اختلف: أصبح الحديث عن «الديمقراطية» و»حقوق الإنسان» و»مكافحة الإرهاب» و»المقاومة» و»الهيمنة». تبقى الشعارات متغيرة، ويبقى الجوهر: صراع أجناس ودول ومصالح. ولو كانت الحرب بين أمريكا وإيران حرب دين، لرأينا العالم الإسلامي يقف صفاً واحداً ضد أمريكا، ولرأينا العالم الغربي يلتف حول واشنطن. لكن ما نراه على الأرض غير ذلك. فهناك تحالفات عربية مع أمريكا ضد إيران، وتحالفات غربية مع إيران أحياناً. هناك مصالح متقاطعة. هذه هي طبيعة السياسة الدولية: مصالح متغيرة، وتحالفات متبدلة، وحروب بالوكالة، وصراعات على النفوذ. والشعارات الدينية أو الأيديولوجية ليست سوى غطاء يخفي المصالح الحقيقية.
ما فعله النص القديم حين تحدث عن «الروم» و»الفرس» ولم يتحدث عن «النصارى» و»المجوس» هو أنه وضع أيدينا على المفتاح الحقيقي لقراءة التاريخ: الأمم تتصارع لأنها أمم، لها مصالحها وأطماعها ومخاوفها. والدين قد يكون شعاراً أو غطاءً، لكنه نادراً ما يكون الدافع الحقيقي. من غلبت الروم إلى صراع اليوم، يظل الأمر كما ورد في ذات النص: «لله الأمر من قبل ومن بعد»، أي أن ما يحدث اليوم هو جزء من سلسلة طويلة لا تنتهي. هذا هو سر خلود النص: أنه يقدم رؤية للتاريخ تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتضع أيدينا على خيوط اللعبة الأبدية التي تلعبها الأمم منذ أن وجدت.