عبدالله إبراهيم الكعيد
في القرن التاسع عشر نشأتْ في الولايات المتحد الأمريكية وسيلة اتصالية عُرِفتْ بالصحافة الصفراء وهي أشهر مرحلة مرتبطة بالأكاذيب. سبب بروزها منافسة شرسة بين صحيفة (نيويورك وورلد) وصحيفة (نيويورك جورنال) أُستخدِمتْ أثناءها اخباراً مفبركة وصوراً مثيرة لجذب أكبر عدد ممكن من القرّاء. أما في بريطانيا فالحكايةِ مختلفة إذ نشأت صحافة التابلويد بشكلها الجديد في بداية القرن العشرين عندما تأسست صحيفة (الديلي ميرور).
يتم التركيز في تلك الصحف وخصوصا العناوين والأخبار العاجلة على الشائعات والفضائح الاجتماعية والقصص المثيرة، وفي بعض الأحيان ابتزاز أشخاص أو كيانات لإخفاء أخبار أو وقائع حقيقيّة.
استمرت صحافة التابلويد على هذا النهج وقلّدتها في ذلك بعض المجلات غير الرصينة (منها عربية) تلك التي لم تجد رواجاً بين القرّاء فنهجت ذات الأسلوب كي تبقى على قيد الحياة.
دخلت الانترنت في حياة الناس واهتماماتهم فبعثرت تلك اللعبة (إن جاز التعبير) وسددت للصحافة بما فيها الرصينة ضربة شبه قاضية. استلم الراية من صحافة التابلويد مستخدمو منصات السوشيال ميديا سواء أكانوا أفرداً أم لجاناً مُنظّمة وأحيانا أجهزة استخبارات، فاهتبلوا تلك الفرصة غير المأخوذة في حسبان مبتكرها لبث الأكاذيب وفبركة الحقائق ونشر الشائعات لإثارة الخوف وزعزعة اليقينيات.
ثم اكتملت حلقات تلك السلسة غير الأخلاقية بالحضور الطاغي للذكاء الاصطناعي الذي يمكن بواسطة تطبيقاته من حبك الأكاذيب بدقة متناهية حتى ليظن المتلقي أنه أمام حقائق ثابتة لا تقبل الشك!
ضراوة حرب الأكاذيب تزداد وقت الأزمات والصراعات، فعندما تضطرب الوقائع وتُغيّب المعلومات وتُخفى الحقائق تنفتح الأبواب أمام الشائعات لتملأ ذلك الفراغ فيندفع البعض ليس لتصديقها فحسب، بل يتحولون سواء بحُسنِ نيّة أو سوء طويّة الى مضخاتٍ لنشرها وإعادة تدويرها. أما الحصيف فهو بفطنته يستطيع كشفها لأنه يُدرك بوعيه أنها حرب إعلامية ونفسية فيدفنها في مهدها.
صفوة القول: في زمن الحروب والأزمات لا تحتاج الكذبة الى عظيم دهاء في حبكها. يكفيها أن تجد آذاناً صاغية مستعدة بكل سذاجة للتصديق، ولهذا تحوّلت منصات ذلك الفضاء الرقمي الى مرتع واسع للأكاذيب. الرهان في هذه الحالة على الوعي الجمعي في التحقق من المصادر الرسمية الموثوقة. قيل كيف عرفت أنها كذبة؟ قال من كبرها!