فضل بن سعد البوعينين
تعد أسواق النفط الأكثر حساسية تجاه المواجهات العسكرية، وإذا ما ارتبطت المخاطر بتوقف الدول المنتجة عن الإنتاج، أو تعثر الإمدادات بسبب استهداف الناقلات أو قطع خطوط الملاحة البحرية، فمن المؤكد أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع قياسي للأسعار، ويتسبب بآثار عميقة لقطاع وأسواق الطاقة، والاقتصاد العالمي.
وكنتيجة مباشرة للحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، وتنامي المخاوف من تقلص الإمدادات وتعطل شحنات النفط عبر مضيق هرمز لفترة طويلة، ارتفعت العقود الآجلة للخام الأمريكي في التعاملات المبكرة الإثنين لتتجاوز 110 دولارات.
وزير الطاقة القطري سعد الكعبي حذر نهاية الأسبوع الماضي من تداعيات خطيرة على أسواق الطاقة العالمية في حال استمرار الصراع مع إيران، وتوقع أن ترتفع أسعار النفط إلى نحو 150 دولارا للبرميل، وأشار إلى أن استمرار الحرب لعدة أسابيع سيؤثر سلبا على الاقتصاد العالمي، وقد يحدث نقص في بعض المنتجات، وهو ما قد يؤدي إلى اضطراب سلاسل التوريد وتعطل عمل المصانع. يبدو أن توقعات الوزير الكعبي أوشكت على التحقق.
إلى جانب النفط، قفزت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة تجاوزت 90 في المائة منذ بداية الحرب، بعد أن أعلنت شركة «قطر للطاقة» حالة «القوة القاهرة» ووقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال بسبب هجوم عسكري إيراني على مرافقها التشغيلية في مدينتي رأس لفان ومسيعيد الصناعيتين. كما أعلنت مؤسسة البترول الكويتية، تفعيل حالة القوة القاهرة واتخاذ خفض احترازي في إنتاج النفط وعمليات التكرير، وذلك على خلفية الاعتداءات الإيرانية على منشآت النفط والغاز.
من حق قطر، والكويت وجميع دول الخليج المتضررة، إعلان «القوة القاهرة» ومن حقها أيضا مطالبة المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات حازمة، لمنع الاعتداء على المنشآت النفطية، والأعيان المدنية، خاصة وأنهم لم يكونوا طرفا في الحرب.
تداعيات متوقعة على إمدادات النفط والغاز، والأسعار، غذتها المواجهة العسكرية، وتسببت في إحداث أثر عميق في الاقتصاد العالمي، وسلاسل التوريد، وربما تتسبب في مواجهات بين الدول المتضررة من انقطاع إمدادات الطاقة مستقبلا، وفي مقدمها الصين، اليابان، ودول أوروبا التي تواجه اقتصاداتها خطرا محدقا في حال استمرار المواجهة العسكرية وانقطاع الإمدادات.
تهديد ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز، وامتناع شركات التأمين العالمية عن التأمين عليها، تسبب في حجب ما يقرب من 20 في المائة من إمدادات النفط، إضافة إلى إمدادات الغاز. ولتجاوز أزمة مضيق هرمز، بدأت السعودية بضخ النفط عبر خط الأنابيب شرق – غرب لنقل ما يقرب من خمسة ملايين برميل يوميا، من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وربما رفعت كميات النفط المنقولة إلى ما يقرب من سبعة ملايين برميل يوميا. تمتلك أرامكو السعودية مسارات إستراتيجية بديلة لتصدير النفط وتمكنها من الوفاء بالتزاماتها مع عملائها، ما يعزز موثوقيتها العالمية، فإضافة لخط الأنابيب الرابط بين الشرق والغرب، تمتلك أرامكو شبكة تخزين إستراتيجية خارج المملكة، لتزويد عملائها في آسيا وأوروبا، ما يمكنها من ضمان الإمدادات لعملائها، وطمأنة المستهلكين.
غير أن الأزمة الحالية تبدو أكثر تعقيدا وخطرا من سابقاتها، وهو ما حمل وزير الطاقة القطري على التنبؤ بإمكانية ارتفاع أسعار النفط إلى 150 دولارا للبرميل. ما يحدث في الخليج، هو أزمة عميقة ومؤثرة في الاقتصاد العالمي، وستضر بالدول المنتجة، والعالم، والدول الصناعية الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة، التي تتوافر لها كميات كبيرة من النفط والغاز.
حجب ما يقرب من 20 في المائة من الإنتاج العالمي عن الأسواق العالمية سيضر بالصين واليابان ودول أوروبا، التي تعاني أصلا من تحديات الطاقة. هناك من يعتقد أن الإضرار بالصين، المنافس الأكبر لأمريكا، من الأهداف الرئيسة لإشعال الحرب مع إيران، ما يفتح الباب أمام تكهنات بتصعيد عالمي ربما تجاوز مداه منطقة الخليج.
تحقيق أمن الطاقة من الضروريات الرئيسة التي يجب فرضها على أطراف المواجهة العسكرية، حماية للاقتصاد العالمي، واقتصادات الدول المستهلكة والمنتجة، والدول الأقل دخلا، والأكثر تضررا من ارتفاع الأسعار، فاستهداف منشآت النفط والغاز في دول الخليج، وناقلات النفط، وإغلاق مضيق هرمز، وامتناع شركات التأمين عن التأمين على الناقلات العابرة لمضيق هرمز، يعني تهديدا مباشرا لأمن الطاقة، والاقتصاد العالمي، ما يستوجب بذل جهود دولية لوقف تهديد مصادر الطاقة، والناقلات، والممرات البحرية وتوفير غطاء تأمين دولي لناقلات النفط، وتوفير الحماية العسكرية لها لضمان مرورها من مضيق هرمز، وحماية الاقتصاد العالمي الذي يعاني من التحديات. أما دول الخليج، فيفترض أن تعمل على حصر خسائرها المالية الناجمة عن استهداف منشآتها الاقتصادية، وتوقف صادراتها من النفط والغاز، لمطالبة إيران مستقبلا بتعويضات مالية كما حدث في حرب الخليج.