د. فهد بن أحمد النغيمش
وصف الله شهر رمضان بوصف دقيق فقال {أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} أي أنها سريعة الزوال والانتهاء وها هي أيام رمضان تسارع مؤذنة بالانصراف والرحيل ولا يدري أحدنا هل يدركه عاما آخر أم يكون في عداد الموتى؟
من رحمات ربنا سبحانه وجزيل ثوابه وكريم نواله عز وجل أن جعل خاتمة الشهر ووداعه أياما مباركة فيها أجور مضاعفة ويكفيها فضلا وقدرا ليلة القدر التي من أدركها فقد حاز فضلا عظيما وثوابا يعدل عبادة 83 عاماً!
ليال العشر الأخيرة من شهر رمضان تحل لتكون الفرصة الأخيرة لمن فرط في أول الشهر، وتكون التاج الخاتم لمن أصلح ووفى فيما مضى.
العشر الأخيرة من شهر رمضان سوق عظيم يتنافس فيه المتنافسون، وموسم يضيق فيه المفرّطون، وامتحان تبتلى فيها الهمم، ويتميز أهل الآخرة من أهل الدنيا، طالما تحدث الخطباء وأطنب الوعاظ وأفاض الناصحون بذكر فضائل هذه الليالي، ويستجيب لهذا النداء قلوب خالطها الإيمان، فسلكت هذه الفئة المستجيبة طريق المؤمنين، وانضمت إلى قافلة الراكعين الساجدين، واختلطت دموع أصحابها بدعائهم في جنح الظلام، وربك يسمع ويجيب، وما ربك بظلام للعبيد.
أما الفئة الأخرى فتسمع النداء وكأنه لا يعنيها، وتسمع المؤمنين وهم يصلون في القيام لخالقهم وكأنه ليس لهم حاجة، بل كأنهم قد ضمنوا الجنة. فهل يتأمل الشاردون؟! وهل يعيد الحساب المفرطون؟!
هذه أيام الشهر تتقلص، ولياليه الشريفة تتقضَّى، شاهدة بما عمل كل واحد، وحافظة لما أودعنا، ينادي ربكم: «يوم القيامة (يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه).كم من مستقبل له لم يستكمله، وكم من مؤمل أن يعود إليه لم يدركه!
إنها عَشْرُهُ الأخيرة، عشر وداع الشهر.. بقية كان يحتفي بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أيما احتفاء.، في العشرين قبلها كان يخلطها بصلاة ونوم، فإذا دخلت العشر شمر وجد وشد المئزر، هجر فراشه، أيقظ أهله، يطرق الباب على فاطمة وعلي -رضي الله عنهما- قائلاً: «ألا تقومان فتصليان؟!». ويتجه إلى حجرات نسائه آمرًا وقائلاً: «أيقظوا صواحب الحجر، فرُبَّ كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة».
يجتمع في هذه الأيام أوقات فاضلة، وأحوال شريفة: العشر الأخيرة، جوف الليل من رمضان، والأسحار من رمضان، دبر الأذان والمكتوبات، أحوال السجود وتلاوة القرآن، مجامع المسلمين في مجالس الخير والذكر، كلها تجتمع في أيام العشر فأين المتنافسون؟!
لنجتهد بالدعاء ولا نستبطئ الإجابة، فيعقوب -عليه السلام- فَقَدَ ولده الأول ثم فقد الثاني في أزمنة متطاولة، ما زاده ذلك بربه إلا تعلقًا {عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (ونبي الله زكريا -عليه السلام- كبر سنه، واشتعل بالشيب رأسه، ولم يزل عظيم الرجاء في ربه، حتى قال محققًا {وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا}.
لا تستبطئ الإجابة فربك يحب تضرعك وصبرك ورضاك بأقداره، رضًا بلا قنوط، يبتليك بالتأخير لتدفع وسواس الشيطان، وتصرف هاجس النفس الأمارة بالسوء، وقد قال نبينا: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي».
عجيب هذا الاعتكاف في أسراره ودروسه! المعتكف ذكرُ الله أنيسه، والقرآن جليسه، والصلاة راحته، ومناجاة الحبيب متعته، والدعاء والتضرع لذته. إذا أوى الناس إلى بيوتهم وأهليهم ورجعوا إلى أموالهم وأولادهم لازم هذا المعتكف بيت ربه وحبس من أجله نفسَه، ويقف عند أعتابه يرجو رحمته ويخشى عذابه، لا يطلق لسانه في لغو، ولا يفتح عينه لفحش، ولا تتنصت أذنه لبذاءٍ، سلم من الغيبة والنميمة، جانب التنابز بالألقاب والقدح في الأعراض، استغنى عن الناس وانقطع عن الأطماع، علم واستيقن أن رضا الناس غاية لا تدرك.
و من أعظم ما يرجى في العشر المباركة ويتحرى ليلة القدر: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ليلة خير من ألف شهر، خفي تعيينها اختبارًا وابتلاء، ليتبين العاملون وينكشف المقصرون، فمن حرص على شيء جدّ في طلبه، وهان عليه ما يلقى من عظيم تعبه. إنها ليلة تجري فيها أقلام القضاء بإسعاد السعداء، وشقاء الأشقياء {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}.
هذه أعظم الأيام فضلاً، وأكثرها أجرًا، تصفو فيها لذيذ المناجاة، وتسكب فيها غزير العبرات، كم لله فيها من عتيق من النار! وكم فيها من منقطع قد وصلته توبته! المغبون من انصرف عن طاعة الله، والمحروم من حرم رحمة الله، والمأسوف عليه من فاتته فرَص الشهر وفرط في فضل العشر وخاب رجاؤه في ليلة القدر، مغبون من لم يرفع يديه بدعوة، ولم تذرف عينه بدمعة، ولم يخشع قلبه لله لحظة،
اللهم تقبل صيامنا وقيامنا ودعاءنا، اللهم وفقنا لإدراك ليلة القدر، اللهم اجعل شهرنا شهر خير وبركة للإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم أعتق رقابنا من النار.