عبدالعزيز صالح الصالح
عندما يتأمل الإنسان في حركة ذلك المخلوق العجيب في هذه الحياة وما يقوم به من أعمال كبيرة ومنظمة، فالإنسان يتمنى أن يصل إلى مستوى تنظيمه الدقيق.. فإن دراسة المرء له تساعد على اكتشاف أساليب جديدة من التنظيم الاجتماعيِّ الراقيِّ.
ومن العجيب كذلك أن مملكة النمل تعتمد على الإناث في تكوينه، فهو مجتمع نسائي، فإن عمل الذكور فهو تلقيح الملكة، فإن مجتمع النَّمل يتشابه مع مجتمع النَّحل. فإن الذكور تتصارع في عش النَّمل وذلك من أجل الفوز بالملكة والرابح في هذا الصراع خاسر، حيث تموت الذكور بعد تلقيح الملكة مباشرة. وبعد هذا العمليَّة تبدأ الملكة في طرح البيض وتقوم على حمايته قبل أن يفقس، حيث يلتصق البيض ببطن الملكة، ثمُ تقوم بلي مؤخرتها للأمام موفرة للبيض الحماية. وبعد أن يصبح صلباً قليلاً تطرحه في مكان آمن من العش، حيث تقوم مجموعة كبيرة من العاملات النشيطات بخدمته والمحافظة عليه. ومن الغريب أن هناك بعض العاملات الكبيرات في الحجم يقمن بخزن الطعام في بطونهن، ثمُ يفرزنه الصغيرات من اليرقات والخادرات من النمل. ويعتقد أن الله سبحانه وتعالى قد أعطى النمل القدرة على تحديد الجنس بواسطة الطعام، فهناك طعام ملكي إذا تغذَّت عليه اليرقة أصبحت في المستقبل ملكة. والبقية عاملات. وعندما توجد ملكة جديدة فإنها إما أن تتصارع مع الملكة الأصلية - الأم - أو ترحل لتكون مستعمرة جديدة. فإن مستعمرة النَّمل مجتمع كامل، فيه الملكة والذكور والعاملات اللاتي يقمن بكافة الأعمال كالدِّفاع عن العش وعن أفراد المستعمرة، واللاتي يقمن بأعمال الصيانة والنَّظافة والجالبات للطعام، حيث تتكون المستعمرة من مئات الآلاف من النَّمل. وكذلك مستعمرة النَّمل النهاب الضَّارَّ جداً، حيث إن لها القدرة على اللسع وعلى إسالة الدم في بعض الأحيان.. وتنقسم العاملات إلى ثلاثة أحجام: الصغيرات وهي الأكثر عدداً والأقل حجماً، حيث يبلغ طول إحداهن واحداً على عشرة من البوصة، بينما الحجم الكبير والضَّارَّ يصل الواحدة إلى ثلاثة أرباع البوصة وهناك حجم وسط بين الفئتين. والوظائف مقسمة بين الفئات الثلاث حسب الحجم، فالكبيرات الحجم لهن الأعمال الشاقة. أما الصغيرات فلهن الأعمال التي تحتاج لجهد جماعي، كما أنهن يقمن بأعمال الحراسة، حيث يعتبر النَّمل من الحشرات النشطة التي تؤمن غذاء الشتاء في الصِّيف، حيث تخرج في حشود كبيرة في رحلات الصِّيف بحثاً عن الغذاء، وتنتظم في صف طويل قد يصل طوله إلى 100 قدم، وعادة تكون حركتها في هذا الصَّف الطويل بطيئة نوعاً ما ولكنها منتظمة ومستمرة، ويتكون غذاء النَّمل النهاب من بذور الخضراوات في الدرجة الأولى، ثمُ الديدان وبيض السحالي والضفادع وغيرها وهذدليل على قدرة النَّمل على حمل أضعاف أضعاف حجمه. والنَّمل من المخلوقات التي لا تضيِّع الوقت مطلقاً - فعندما يجد بذرة كبيرة فإنه يجتمع حولها ويحملها مرة واحدة إلى العش.
ويقول الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} (17 - 19) سورة النمل. والله الموفِّقُ والمعين.