في ثمانينيات القرن الماضي، قدم المسلسل الكويتي «خالتي قماشة» نموذجاً أسرياً مضطرباً، حيث صورت السيدة «قماشة» نموذجاً للرقابة المشوهة داخل الأسرة. فكانت تختفي خلف ستائر منزلها، لا تكاد تفارق عيناها الشاشات التي ترصد بها تحركات أبنائها وزوجاتهم عبر كاميرات مخبأة في أرجاء البيت. تراقب وتتلصص على التفاصيل الصغيرة فتضيع منها الصورة الكبيرة. تدمر بأجهزة المراقبة ما تظن أنها تحميه: تماسك الأسرة وثقة أفرادها. واليوم، في مؤسساتنا الحديثة، يعاد إنتاج هذا الوهم بأدوات أكثر تطوراً، ولكن بنفس العقلية المختلة.
تدور الحكاية في إحدى المؤسسات، حيث يجلس مسؤول الموارد البشرية في مكتبه الفاخر، الذي تحول من منصة لتطوير الكفاءات البشرية إلى مركز للمراقبة، ناسياً أن مهمته الأساسية هي تنمية الطاقات ورعاية المواهب وبناء الجسور بين الإدارة والموظفين، وأصبح همه الوحيد متابعة سجلات الحضور والانصراف، وحساب الدقائق الضائعة. تحول من شريك في النجاح إلى حارس لسجن المكاتب. في بيئة هذا المدير المشوهة، يتحول الموظف من إنسان لديه إبداعات وهموم وطاقات، إلى رقم في جدول، ونقطة على شاشة. وتصبح الظروف الإنسانية هامشاً في معادلة المراقبة الصارمة، وتغدو النوايا والإنجازات حقيقية غائبة عن سجل المدير «القماشي».
لا يدرك هذا المدير أن سجنه البصري هذا مبني من زجاج، يرى من خلاله الحركات لكنه لا يسمع نبض القلوب ولا يشعر بهموم العقول. فالموظف الذي يشعر أنه تحت المجهر، يتعلم بسرعة فنون التمويه. يصبح حضوره الجسدي في المكتب طقساً أجوف، بينما تغيب روحه وإبداعه. ينصرف ذهنه إلى كيفية تلبية توقعات المراقب، لا إلى كيفية إثراء العمل. تتحول طاقته من الإنتاج إلى الحذر، ومن الابتكار إلى الامتثال.
وفي زاوية أحد المكاتب، يجلس ذلك الموظف المبدع الذي قدم للمؤسسة أفكاراً غيرت مسارها للأفضل، لكنه اليوم يشعر بأن قيمته تقاس بدقائق حضوره، لا بجودة أفكاره. وفي الطابق العلوي، تهمس موظفة استثنائية لزميلتها: «أشعر أنني في سجن، يراقب كل تحركاتي». لقد خسرت المؤسسة ولاءها، وخسرت معه طاقتها الكامنة.
تذكرت قصة خالتي قماشة عندما يعرض مثل هذا المدير تقرير الحضور كأنه وثيقة مصيرية، ويناقش تأخراً بخمس دقائق كأنه جريمة كبرى. لكنه لا يعرض أي تقرير عن مشروع جديد، ولا خطة لتحسين الجودة، ولا دراسة لخدمة موظف أو مواطن. لقد تحول من مدير يحفز الطاقات البشرية إلى حارس يسيجها بالشك.
الجميل في قصة خالتي قماشة أن الكاميرات كشفت في النهاية عقم هذه الرقابة. فالمراقبة المستمرة لم تمنع الخلافات، ولم تحافظ على الاستقرار، بل زرعت التمرد وخلقت فجوة من عدم الثقة. وكذلك في المؤسسات، فكم من مدير اعتنق عقلية «قماشة» ثم اكتشف متأخراً أن دقة الحضور لا تعني الإنتاجية، وأن الوجود الجسدي لا يساوي الإخلاص الوظيفي.
ما يحتاجه هذا المدير اليوم هو أن يخطو خارج مكتبه، ويجلس مع الموظفين ليس ليراقبهم، بل ليفهم تحدياتهم. فالقيادة الحقيقية ليست في عدّ الدقائق، بل في استثمار الساعات. ليس في مراقبة الحركات، بل في تحريك الطاقات. عندما يتحرر المدير من عقدة المراقبة، يحرر معه طاقات كانت تختنق تحت ثقل الرقابة. وعندما تستبدل الثقة بالشك، فإن الموظفين لا يأتون إلى العمل فحسب، بل يأتون بأفكارهم وقلوبهم وإبداعهم.
في النهاية، لنتذكر أن «خالتي قماشة» كانت شخصية درامية انتهت حكايتها بنهاية المسلسل. أما في عالم المؤسسات الواقعي، فما زال بإمكاننا كتابة نهاية مختلفة، نهاية يتحول فيها المدير من مراقب إلى مرشد، ومن حارس إلى قائد، ومن «قماشة» إلى ملهم.
** **
- د. خالد بن سالم الحربي