بسم الله والحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد..
عندما توفي العم محمد العبدلله الجميح رحمه الله، اتصل بي العم حمد العبدالعزيز الجميح رحمه الله وقال لي إنه واخوه محمد رحمهما الله، سوف يأتون بعد العصر لعزاء والدي رحمه الله فيه. وكان الوالد لا يفارق السرير ولم يكن يدرك إدراكاً كاملاً. فقلت له ذلك من قبيل أمانة نقل الرسالة، ولم أتوقع منه إجابة. فوجئت أن أشار والدي بطلب نقله حالاً بسيارته الخاصة التي تتسع لكرسيه المتحرك وكان له ما أمر به. وتحركنا في ضحى اليوم إلى مجمع الجميح وفي الطريق اتصلت بالعم حمد وقلت له إننا في الطريق إليهم. انتقل بيت الجميح الواسع الجميل برجاله إلى السيارة واجتمعت القلوب بل الأجسام في ذلك المكان التي كنت أتوقعه ضيقاً وإذا به أوسع وإذا بدموع المحبة على وجنات الجميع. لم يكن هناك كلام ولا حوار وإنما صمت بليغ. كان درساً لن أنساه وذكرى وسأذهب بهما معي لقبري بعد أن سردته وأسرده عشرات المرات على أولادي وأسرتي والدمع يكاد يفيض من عيني. قال الشاعر:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبــــور جنـــازة
فاعلم بأنك بعـــدها محمول
لا تبكــهم إلا بفـــقد فـضــيلة
فالعين تبكي من يكون جميل
لازمتني هذه الأبيات أثناء لزوم العم حمد الجميح السرير الأبيض في العناية المركزة في الأسابيع الأخيرة من حياته. وألحت علي وأنا في صلاة الميت عليه رحمه الله وغفر له ثم وأنا أراهم يلزمونه لحده مختلطاً بالدمع ومشاعر لا أكاد أفصل حبالها الملتفة حول القلب والذهن والخاطر.
إن الوالد والأخ الكبير والصديق حمد بن عبد العزيز الجميح كان صاحب فضيلة وكان جميلاً. كان ذلك كله وأكثر لي شخصياً وإخوتي ولدى المجتمع والوطن. ورثنا هذا الكنز من علاقته وأخوه محمد وعمه محمد مع والدنا رحمهم الله جميعاً. كنز جوهره المحبة ومادته القيم وقلادته حياة مليئة بشريف الذكريات.
نما الكنز وبسقت أشجاره في علاقتي الشخصية معه رحمه الله ومن ثم نمت مع أسرتهم كاملة. إنه ليس شيئاً سهلاً أن تكون أخاً كبيراً ووالداً وصديقاً لأي رجل مع فارق العمر والمقام لولا أن أبا عبدالعزيز كان شخصاً استثنائياً. وكنت أقول له ذلك كلما استوقفني وكلمني بصوته الهامس الحنون بكلام يرفع معنوياتي ويذكرني ما لا أنسي بقدر محبته لوالدي رحمه الله وأسرتي وقديم العلاقة التي تربطهم.
كانت علاقته بوالدي علاقة طويلة ثابته دافئة محورها المحبة والأخوة والقيم العليا. لم تكن للمادة أي مكان فيها. كلما التقيته رحمه الله كان يقربني ويسبغ على علاقاتنا الشخصية والعائلية معاني عظيمة يترجمها لأفعال. أتعجب غابطاً إياه على سعة صدره وتماسك الصورة العامة في ذهنه. أقابله ويكون حواراً أو نقاشاً أو حديثاً فتدرك بلا تكلف أن الرجل الذي أمامك من عظماء الرجال، رجال الوطن الكبار وواجهاته الكبرى كما أنه أخ ودود ووالد وصديق، زبدة حديثه مطعم بالأدب والتاريخ يربطها بخيوط من القيم والوفاء والقيم السامية.
كنت التقيه مع غيري في مجلس آل جميح تلك المؤسسة الاجتماعية الوطنية العريقة، والتقيه في المناسبات الاجتماعية التي لا يغيب عنها إذا دعي من كبير أو صغير بعيد أو قريب. وفي هذه المناسبات يكون لنا حوار في طريقه من السيارة أو إليها لحضور مناسبة أخرى ومن ثم للمجلس الذي يشرق بالمحبين والأصدقاء ورجالات الوطن. افتح له باب السيارة لأودعه فتلمع في عينيه دمعة محبة فلا يمنعني من فتح الباب ومسكه له مع أنه يمنع غيري وأجد في ذلك إشارة وأي إشارة.
لقد سبق أن قلت في رثاء عمه العم محمد العبد الله الجميح إن أسرة «الجميح» ليست أسرة كريمة عريقة فحسب وإنما مؤسسة اجتماعية تجارية وطنية لها مآثر عظيمة ملموسة وغير ملموسة على الوطن والمجتمع. وقبل ذلك الحين وبعده وحتى الآن أرى هذه المقولة تترجم بصمت لواقع مشرق في مؤسسات خيرية منظمة أقيمت على أحسن الأسس ويديرها رجال أكفاء فضلاً عن مؤسسات تجارية عظيمة يشرف عليها أبناؤهم الذين أعتبرهم من أعظم نتاج هذه الأسرة الكريمة. ترى فيهم كريم الخلق وحب الخير والهدوء وسعة الصدر والوطنية والأصالة أمور ورثوها من آبائهم. وإني لعلى قناعة أن هذه الأسرة سوف تبقى بتوفيق الله وتنمو جذورها في تربة الوطن وأغصانها في فضائه، ليس لوفائهم وقدراتهم وكفاءتهم وما أنعم الله عليهم به من مال وجاه فحسب وإنما لدعاء والديهم ودعاء وحب الناس لهم.
لقد واجه العم حمد رحمه الله رحمة واسعة كأخيه محمد وعمه محمد الحياة بالعمل الجاد والمثابرة بروح عظيمة وقيم عالية وفكر وثاب ومثابرة نادرة وحب للوطن وأهله وولاة الأمر فيه وطلبه العلم والمشايخ. لم تكن الحياة سهلة ولم تكن رحلة رفاهية مريحة. ولكنها كانت حياة شريفة أخرجت للوطن رجالاً ومؤسسات وخدمات. إنك لن تسمع شكوى من صعوبة واجهوها أو نكران قابلهم أو إساءة أصابتهم مع أنها كانت موجودة طوال حياتهم العريضة في سبل الحياة.
رحم الله العم والوالد حمد بن عبدالعزيز الجميح وغفر له ووسع مدخله وجعل قبره روضة من رياض الجنة ووالدي وجمعنا بهم في جنات النعيم على سرر متقابلين. واحسن لنا جميعاً وذويه فيه العزاء والحمدلله رب العالمين خالق الحياة والموت ومقدر الوفاة الذي تعبدنا بالصبر والرضى بالقدر.
***
- عبدالإله بن عثمان الصالح