الحمد لله على قضائه وقدره.. حين يرحل كثير من الرجال؛ يطويهم النسيان سريعًا، كأنهم لم يمروا في صفحات الحياة إلا مرورًا عابرًا. غير أن هناك رجالًا إذا غابوا بأجسادهم بقيت آثارهم حيَّة في القلوب وفي العيون مشاهدة، شاهدةً على حياةٍ رجل فاضل نبيل امتلأت حياته بالخير والفضل والعطاء.
يتمثَّل ذلك في فقيد الجميع الشيخ حمد بن عبدالعزيز الجميح -رحمه الله- رجلٌ لم يكن مجرد اسم كبير في عالم المال والأعمال، بل قيمة إنسانية رفيعة، تمشي على الأرض معلمة الأدب والجود والكرم، ومدرسة في البذل، ونموذجًا في الخلق الكريم.
لقد أدرك -رحمه الله- أن المال وسيلة لا غاية، وأن خير ما يتركه الإنسان بعده أثرٌ طيب في حياة الناس. لذلك عاش قريبًا من المجتمع بكافة أطيافه، يسمع حاجاتهم، ويجبر خواطرهم، ويغيث ملهوفهم، ويواسي ضعيفهم مع حب وود، وهدوءٍ يليق بصدق العطاء ونبل المقصد.
لا يعجبه الضجيج حول أعمال الخير، بل كان يرى أن أعظم الصدقة ما كان خالصًا لله، بعيدًا عن المنّ والأذى، وأن المعروف الحقيقي هو ما يصل إلى المحتاج في سر خفي.
ومن يتأمل مسيرة الشيخ حمد؛ يجد أنه جمع المحامد الكثيرة، منها العطاء والبذل، حيث لم يكن فعلًا عابرًا، بل نهج حياته. امتدت أياديه البيضاء إلى مجالاتٍ متعددة؛ في دعم المحتاجين، ورعاية واحتضان الأيتام، والإسهام في المشروعات الخيرية والتعليمية، حتى أصبح حضوره في ميادين الخير حضورًا مؤثّرًا يعرفه كثير من الناس وإن لم يروه.
وإلى جانب عطائه الإنساني، كان -رحمه الله- مثالًا في القيادة الهادئة الحكيمة والأخلاق الرفيعة في السعة والخلاف والأزمات. جمع -رحمه الله- بين الحزم في العمل، واللطف في المعاملة، فكان التواضع سجيته، والبشاشة عنوانه، والاحترام منهجه مع الجميع. لم يكن يرى في المكانة والوجاهة رفعةً أو تعالياً على الناس، بل تواضعاً وليناً وقرباً.
ترك الشيخ حمد إرثًا يتجاوز حدود المال والأعمال؛ إرثًا من القيم والمبادئ التي غرسها في أسرته وأبنائه الكرام ومن عمل معه. كما امتد أثره في مجموعة الجميح التي أصبحت شاهدًا على مسيرته العملية، وعلى روح المبادرة والعمل التي اتسمت بها حياته.
أما على المستوى الشخصي، فقد كان لي شرف العمل قريبًا من هذا الرجل الكريم النبيل؛ حين توليت الأمانة العامة لجائزة الجميح للتفوق العلمي وحفظ كتاب الله لخمس سنوات ثم عضواً في مجلس إدارتها إلى اليوم، هناك رأيت عن قرب؛ مدى اهتمامه الصادق بالقرآن الكريم حفظًا وتدبرًا ودراسة ومنهجاً، واهتمامه بأهل العلم والتفوق فيه، وحرصه العميق على أن تكون الجائزة مشروعًا تربويًا ينهض بالطلاب علميًا وقيميًا، ويجمع بين التفوق العلمي والارتباط بكتاب الله حفظًا وفهمًا وسلوكًا.
كما حظيت بتواصله الكريم عندما كنت مديرًا لإدارة التعليم بمحافظة شقراء، حيث كان -رحمه الله- من الداعمين لمبادرات مسيرة التعليم وأهله، إدراكًا منه بأن التعليم هو الأساس في بناء الإنسان وصناعة المستقبل. ولم يكن دعمه مقتصرًا على المساندة المادية في جوائز التفوق العلمي لمدارس محافظة شقراء، بل كان مصحوبًا بكلماتٍ من النصح الصادق والتوجيه الحكيم، تفيض بمعاني حسن الديانة، والاستقامة في الأخلاق، وتعزيز روح الانتماء والولاء الصادق للوطن وقيادته.
وكانت مَجالسه ومُجالسته -رحمه الله- حيَّة بالحكمة والبصيرة؛ يذكِّر فيها بأهمية الإخلاص في العمل، وأن يكون الإنسان نافعًا لدينه ووطنه ومجتمعه، وأن أعظم ما يتركه المرء بعده عمل صالح وأثر حسن. وكانت تلك الكلمات تخرج من قلبٍ عاش هذه المعاني واقعًا وسلوكًا قبل أن تكون مجرد توجيه.
إن رحيل الشيخ حمد بن عبدالعزيز الجميح خسارة مؤلمة، لكن العزاء أن ما زرعه من خير لن ينقطع أثره؛ فالأعمال الصالحة لا تموت بموت أصحابها، بل تبقى صدقة جارية في الأرض، وذكرًا حسنًا في القلوب، وسيرة طيبة تتناقلها الأجيال.
نسأل الله أن يغفر له، وأن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدَّمه من خير في موازين حسناته، وأن يبارك في ذريته ومن سار على نهجه.
***
- خالد بن محمد الشبانة/ الأمين العام لجائزة الجميح للتفوق العلمي وحفظ القرآن الكريم سابقاً، وعضو مجلس الإدارة حالياً