في إنجاز وطني سيُخلّد في سجلّ العمل البيئي، حققت المملكة العربية السعودية قفزة نوعية في مجال إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة وتنمية الغطاء النباتي. وقد تحقق ذلك من خلال برامج إستراتيجية متكاملة تُجسّد ثمرة رؤية المملكة 2030 والتزام القيادة الرشيدة بجعل الاستدامة البيئية ركيزة أساسية في مسيرة التنمية.
إن المبادرة الوطنية لإعادة تأهيل البيئة، التي انطلقت قبل خمس سنوات، ليست مجرد مشروع رمزي أو إحصائية، بل هي نموذج عملي لنجاح السياسات الوطنية في ترجمة الرؤى الإستراتيجية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. وقد أصبح التصدي للتدهور البيئي عملية علمية دقيقة ترتكز على التخطيط المكاني، وتحليل التربة والمناخ، واختيار النباتات المحلية الملائمة، وضمان استدامة إدارة الموارد الطبيعية.
تُشكّل هذه الجهود نقطة تحوّل في فلسفة التنمية بالمملكة: من إدارة الموارد إلى إعادة بناء شاملة للنظم البيئية. لم يعد البُعد البيئي ثانوياً، بل أصبح عاملاً محورياً في صياغة السياسات العامة وتوجيه الاستثمارات الوطنية، مما يُحقق التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على رأس المال الطبيعي.
تُمثل الحوكمة البيئية في المملكة نموذجاً متقدماً لإدارة الموارد الطبيعية، إذ تجمع بين التخطيط الإستراتيجي والتنفيذ الميداني المتكامل. وتعتمد المملكة على إطار مؤسسي شامل يضم وزارة البيئة والمياه والزراعة، والمركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، والمحميات الملكية، بمشاركة القطاع الخاص والمجتمع المدني. ويضمن هذا التكامل توزيعاً واضحاً للأدوار وفقاً للتخصصات الفنية والإستراتيجية، ما يُتيح قدرة عالية على ترجمة الخطط الوطنية إلى نتائج ملموسة. وهذا التكامل بين الأدوار نجده في نموذج الحوكمة المتكاملة للبيئة والمياه والزراعة، ويمثل هذا النموذج إطاراً مؤسسياً متكاملاً يضمن توزيعاً واضحاً للأدوار والمسؤوليات وفقاً للتخصصات الفنية والإستراتيجية. ويعزز هذا النموذج قدرة المملكة على ترجمة خططها الوطنية إلى نتائج ملموسة ومستدامة على أرض الواقع. ويوضح التحليل التالي كيفية تكامل مختلف المؤسسات لتحقيق أهداف بيئية وإستراتيجية محددة.
وتضطلع الوزارة بدور الجهة التنظيمية العليا والتشريعية الرئيسة، حيث تضع السياسات العامة وتشرف على تنفيذ التشريعات البيئية.
يربط هذا النموذج الخطط البيئية بأهداف رؤية 2030، مما يُنشئ إطاراً موحداً يتماشى مع الأولويات الوطنية للتنمية المستدامة.
يضمن دور الوزارة كمنسق ومخطط إستراتيجي امتثال جميع البرامج البيئية للمعايير الوطنية والدولية.
ويتولى المركز مسؤولية التنفيذ الفني والميداني للبرامج البيئية، معتمداً على استقلاليته الإدارية والمالية لتعزيز مرونته.
يربط المركز بين تخطيط السياسات والتنفيذ الميداني، مما يضمن توافق البرامج مع أهداف البحث العلمي وأفضل الممارسات الميدانية.
تُمكّن الاستقلالية المالية والإدارية المركز من التكيف مع التحديات البيئية المتغيرة وتحقيق فعالية أكبر في التشجير ومكافحة التصحر.
وتؤدي المحميات دوراً مهماً في حماية الموائل الطبيعية ودعم التنوع البيولوجي، بما في ذلك إعادة توطين الأنواع المهددة بالانقراض وإدارة النظم البيئية.
تُسهم الإدارة المتكاملة للمحميات في ضمان استدامة النظم البيئية على المدى الطويل وتعزيز الأمن البيولوجي الوطني.
لا يُعد الحفاظ على التنوع البيولوجي هدفاً بيئياً فحسب، بل هو أيضاً ركيزة أساسية لدعم المرونة البيئية والممارسات المستدامة.
ويشارك القطاع الخاص من خلال مبادرات واستثمارات تدعم التشجير وتنمية الغطاء النباتي.
يسهم المجتمع المدني من خلال حملات التوعية والمبادرات التطوعية لتعزيز السلوكيات البيئية الإيجابية.
وتُعزز هذه الشراكات كفاءة التنفيذ وتُوسّع نطاق التأثير المجتمعي، مما يُرسي نموذجاً تشاركياً للحوكمة البيئية.
وقد أسفر هذا النموذج عن مجموعة من النتائج الإستراتيجية والعملية:
- زيادة المساحات الخضراء وإعادة تأهيل الأراضي: أدى تنفيذ مشاريع واسعة النطاق إلى تحسين جودة الأراضي وزيادة الغطاء النباتي.
- الشراكات العلمية الدولية: عزز تبادل البيانات والخبرات مستوى البحوث التطبيقية ومكّن من تبني أفضل الممارسات العالمية.
- تعزيز مشاركة القطاع الخاص فقد أسهم دعم الاستثمار البيئي في استدامة البرامج على المدى الطويل.
- ورفع مستوى الوعي والمشاركة المجتمعية: أسهمت مبادرات التطوع وحملات التوعية في بناء ثقافة بيئية مستدامة داخل المجتمع.
ويمكن القول إن نموذج الحوكمة المتكاملة يوفر إطاراً علمياً وإستراتيجياً متيناً لتحويل السياسات البيئية إلى نتائج ملموسة، مع تحقيق التوازن بين التخطيط المركزي والتنفيذ الفني وحماية النظام البيئي والشراكات المجتمعية والقطاعية. هذا التكامل يجعل المملكة نموذجاً عالمياً يُحتذى به في مجال الاستدامة البيئية وإدارة الموارد الطبيعية.
ويتماشى النموذج السعودي مع الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقية باريس للمناخ واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، حيث تُنفذ مبادرات وطنية لإعادة تأهيل الأراضي بما يحقق الأهداف العالمية المتمثلة في خفض الانبعاثات وتعزيز قدرة النظم البيئية على امتصاص الكربون والتكيف مع تغير المناخ.
ولم يقتصر النجاح على الجهات الحكومية فحسب، بل اضطلعت جامعة الملك سعود بدور محوري في دعم الإستراتيجية الوطنية من خلال:
- دعم البحوث العلمية المتخصصة في التربة والزراعة المستدامة، ومكافحة التصحر، وتعزيز التنوع البيولوجي، بما يُسهم في تحقيق أهداف المبادرة الخضراء السعودية.
- توجيه البحث العلمي للأوليات البحثية الوطنية لاسيما المتعلقة بالاستدامة البيئية.
- إنشاء لجان دائمة للاستدامة البيئية والطاقة المتجددة لتعزيز البحث العلمي وتفعيل المبادرات الميدانية.
- إطلاق برامج توعية، ومبادرات تطوعية، ومشاريع تشجير بمشاركة الطلاب وأعضاء هيئة التدريس.
- إقامة شراكات بحثية مع جهات وطنية لتوثيق الأنواع المحلية، وتحليل خصائص التربة، وتوظيف النتائج في التخطيط العلمي لإعادة تأهيل البيئة.
ولم تقتصر مساهمة الجامعات على جامعة الملك سعود، بل أسهمت مؤسسات تعليمية أخرى ببرامج بحثية ومبادرات مجتمعية لتطوير حلول علمية مبتكرة في الزراعة المستدامة وإعادة تأهيل الأراضي. وهذا يُعزز التكامل بين البحث العلمي والسياسات الوطنية، ويضع المملكة في مصاف الدول الرائدة عالمياً في مجال الاستدامة البيئية.
ولم تعد جهود إعادة تأهيل الأراضي في المملكة تقتصر على تحسين الغطاء النباتي، بل أصبحت أداة إستراتيجية فعّالة لمواجهة تحديات تغير المناخ، وذلك من خلال تعزيز قدرة النظم البيئية على امتصاص الكربون، وتحسين خصائص التربة، وزيادة محتواها العضوي، مما يُسهم في تحقيق الاستدامة البيئية على المدى الطويل.
وتعتمد هذه الجهود على توسيع نطاق زراعة النباتات المحلية المتأقلمة مع البيئة ودعم التجدد الطبيعي للنظم البيئية، والحد من الانبعاثات غير المباشرة الناتجة عن تدهور الأراضي والعواصف الرملية.
كما تُسهم هذه البرامج في تعزيز قدرة البيئة على التكيف مع تغير المناخ من خلال تثبيت التربة، وتحسين كفاءة استخدام موارد المياه، والحد من شدة العواصف الرملية، مما يُؤثر إيجابًا على جودة الهواء واستدامة الموارد الطبيعية. الآثار البيئية والاقتصادية المتكاملة
أثبتت المبادرات البيئية في المملكة أن الاستثمار في الطبيعة يُعدّ من أكثر الحلول فعالية لتحقيق التنمية المستدامة. انعكست النتائج بشكل مباشر على قطاعات عديدة، أبرزها:
- انخفاض ملحوظ في العواصف الترابية وتحسن جودة الهواء،
- تعزيز التنوع البيولوجي واستعادة التوازن البيئي.
- دعم السياحة البيئية وتطوير الوجهات الطبيعية.
- تحفيز الاستثمارات في الاقتصاد الأخضر.
- تحسين جودة حياة المجتمع.
وبذلك، أصبحت إعادة تأهيل الأراضي محركاً تنموياً متكاملاً يجمع بين حماية البيئة والنمو الاقتصادي، في نموذج يعكس تكامل الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
** **
- د.عبدالعزيز بن غازي الغامدي
agghamdi@ksu.edu.sa