منذ أن تم توحيد هذا الكيان العظيم في عهد الملك المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود رحمه الله، لم يكن هذا التوحيد إجباراً أو إكراهاً أو قهراً، بل كان ولاء ومحبة لهذه القيادة التي يمتد حكمها في الجزيرة العربية منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود قبل ما يقارب ثلاثة قرون.
هذه الأسرة الكريمة، التي تعد من أعرق الأسر الحاكمة، لم تكن في وجدان أبناء هذا الوطن مجرد قيادة، بل كانت رمزاً للمحبة والوفاء والانتماء. وللمتأمل في مجريات الأحداث السياسية والعسكرية التي تعصف بالمنطقة وما شهدته من توترات واعتداءات على عدد من الدول، يدرك حجم التحديات، ويستشعر في المقابل ما تتحلى به القيادة السعودية من حزم وحكمة في إدارة الأزمات، ودعم الأشقاء، والقيام بمسؤولياتها تجاه الدين والوطن والأمة.
لقد عرفت هذه القيادة عبر تاريخها بنصرة الحق والوقوف بحزم ضد الفتن والعمل الدائم على ترسيخ الأمن والاستقرار في أرجاء الوطن، حتى أصبحت الطمأنينة سمة أصيلة يعيشها المواطن في ظل هذه الدولة المباركة.
وفي هذه المرحلة تتجلى مشاعر المواطن السعودي في أبهى صورها، حيث يظهر الولاء الصادق والاستعداد للتضحية والتفاف الشعب حول قيادته، لا بدافع الخوف، بل انطلاق من محبة راسخة وإيمان عميق بالوطن وقيادته.
لقد مرت على هذا الوطن العظيم أحداث تاريخية جسام ومواقف عسكرية كبيرة، بدءاً من حروب توحيد هذا الكيان في جميع مناطق الوطن، مرورًا بالحرب اليمنية وما تلاها من عمليات عسكرية وطدت السيادة السعودية على الحدود الجنوبية، وصولاً إلى حرب الوديعة وأحداث الحرم، وما شهدته المناطق الجنوبية في نجران وجيزان وعسير من ضربات جوية في ثمانينات القرن الهجري الماضي، وهي محطات نقلها لنا من عاصرها وشهدتها الذاكرة الوطنية بكل تفاصيلها، وقوافل المتطوعين التي كانت مدفوعة بصدق الانتماء لهذا الوطن والولاء للقيادة في جميع هذه الأحداث التاريخية، قصص تروى من السلف للخلف حتى كتابة هذه السطور.
وفي جميع تلك المحطات كانت الجبهة الداخلية حاضرة بقوة، مدفوعة بالمحبة الصادقة والرغبة الخالصة وعمق الولاء لقيادتها، حيث وقف أبناء الوطن صفاً واحداً جنوداً أوفياء يجسدون أسمى معاني الانتماء والتضحية. وقد شهدت بنفسي مظاهر الولاء والانتماء خلال محطات مفصلية كأحداث تحرير الكويت والحرب على الإرهاب وعملية عاصفة الحزم، حيث تجلت وحدة الصف وتلاحم القيادة مع الشعب في صورة وطنية صادقة وناصعة.
ونحن في هذه المرحلة التي تقود فيها حكومتنا الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين - أيدهم الله بنصره - الحراك الإقليمي والدولي، تجلى الدور القيادي للمملكة في إدارة جميع الملفات الاقتصادية والعسكرية والأمنية والسياسية، واحتضانها لشقيقاتها في دول الخليج، فكانت درعاً أمنياً وعسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً لهم. وقد ظهر بذلك تأثير المملكة العظيم وثقلها العالمي.
إن الدولة التي تبني علاقتها مع شعبها على الخوف والقمع لا تصنع وحدة حقيقية للجبهة الداخلية، وأكبر مثال على ذلك التجربة الإيرانية، حيث انتهجت حكومتها سياسة النار والحديد داخلياً ضد أبناء شعبها، وقمعت الحريات، وعمدت إلى زرع الرعب والسيطرة بالقوة، ما أدى إلى توترات وانقسامات داخلية عميقة. وعلى الصعيد الخارجي فشلت سياساتها بشكل واضح، حيث سعت إلى بث سمومها وخيالاتها في السيطرة ونشر الطائفية والعنف، وما شاهدناه جميعاً من نتائج عكسية عليها ظهرت في اختراقات أمنية وسياسية عديدة، هزمتها داخلياً وخارجياً وأظهرت عجزها في حماية مصالحها وتحقيق الاستقرار في محيطها. إذ يتضح أن الخوف وحده والسيطرة بالقهر لا يثمران أبداً الأمن أو الولاء الصادق، بل يؤديان إلى هشاشة الدولة وضعف الجبهة الداخلية وانعدام الثقة بين الحاكم والمحكوم.
وهذا ما نلمس عكسه تماماً في علاقة الحاكم والمحكوم في المملكة العربية السعودية، حيث العلاقة بين القيادة والشعب قائمة على المحبة والولاء والانتماء الصادق، فتتجلى بذلك أسمى معاني الثبات والأمان والجبهة الداخلية الصلبة.
إن التاريخ السعودي زاخر بالشواهد التي تؤكد أن قوة هذا الوطن تكمن في تماسك جبهته الداخلية، وفي العلاقة المتينة بين القيادة والشعب، وهي علاقة قائمة على البيعة الصادقة والثقة المتبادلة والعمل المشترك من أجل رفعة الوطن، وإن قوة الجبهة الداخلية وصدق محبتها وولائها لقيادتها ستبقى -بإذن الله- الحصن المنيع في مواجهة التحديات وصناعة الاستقرار وتعزيز مكانة المملكة بين الأمم.
واليوم ونحن أبناء هذا الإرث العظيم نواصل المسيرة على نهج الآباء والأجداد، متمسكين بثوابتنا، معتزين بديننا ومخلصين لقيادتنا. فالمملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز تمضي بخطى واثقة نحو المستقبل، مستندة إلى تاريخ عريق ورؤية طموحة وشعب وفي.
** **
- د. سعيد عبدالله علي جفشر