عبدالوهاب الفايز
مع اتساع دائرة الحوار حول قرار جامعة الملك سعود، يتحوّل النقاش الهادئ إلى فرصة حقيقية تُسهم في إثراء الأفكار التي تُنير عملية صنع السياسات الحكومية في منظومة التعليم. وهذه المنظومة، منذ أن دخلنا الإعلام قبل ثلاثة عقود، رأيناها ميداناً مفتوحاً للنقاشات والصراعات، وشهدت تبدّلاً متواصلاً في القيادات، وتعاقباً لا ينقطع من التجارب والاجتهادات.
وعدد المبادرات والاستراتيجيات التي طُبِّقت ثم أُلغيت يُقدّم، وحده، حالةً دراسية كاشفة لآلية صنع السياسات الحكومية، التي لا تزال تعاني من أحد الأمراض المزمنة في الإدارة العامة: الخلط بين الأمور المرحلية التكتيكية والأمور الاستراتيجية، مع ميل دائم نحو تحقيق النجاحات السريعة - وهذه الأخيرة تحديداً هي البوابة الأولى التي تنفذ منها صناعة الاستشارات.
لذا، هذا الموضوع يغري بالكتابة من زوايا متعددة (ويصعب الإحاطة بها هنا)، والأجدى ألّا تنحصر المساهمة في مسار تسجيل موقف مؤيد أو معارض. فالأمور الكبرى تستحق تأملاً نقدياً عميقاً، وهذا في حد ذاته مؤشر صحي، إذ لا ينبغي أن يمرّ قرار من هذا الثقل دون مساءلة جادة وحوار واسع تتعدد فيه زوايا النظر وتتباين مرجعياته الفكرية، خصوصا مع التحول الى القطاع غير الربحي، فنموذج العمل في هذا المجال مازالت القناعات الحكومية تتوجس منه، وقد تحتاج رحلة تعلم صعبة حتى تستوعبه.
الحافز للكتابة اصبح واجبا بعد حضور الاحتفال الأنيق باليوم العالمي للتراث الأحد الماضي، الذي دعا إليه رئيس هيئة التراث الدكتور جاسر الحربش. فقد كشف ما عُرض من مشاريع ومبادرات وقصص نجاح عن ثراء قطاع الثقافة بفرص العمل والتجارة؛ إذ نمتلك الآن 8 مواقع سعودية مُدرجة على قائمة التراث العالمي، و14 موقعاً على القائمة التمهيدية لليونسكو، و11,577 موقعاً أثرياً في السجل الوطني للآثار، و36,919 موقعاً في السجل الوطني للتراث العمراني.
هذه الأرقام ليست مجرد إنجازات تفخر بها بلادنا؛ إنها مدخل ضروري لفهم القضية المثارة فهماً عميقاً. فنتائج الدراسات والمسوحات في هذه المواقع تؤكد وجود فرص عمل حقيقية للمتخصصين في التاريخ واللغة العربية والآثار والسياحة وريادة الأعمال، ولا سيما في منظومة الصناعات الحرفية اليدوية التي يمكن أن يعتاش منها الآلاف. وهذا يفتح الباب مباشرةً لمناقشة العلاقة بين التخصصات الجامعية وسوق العمل.
منذ أن أطلقت الحكومة برنامجها الوطني لتوطين فرص العمل والتجارة، برزت أصوات شككت في جدواه، مستندةً إلى ما سمّته «إشكالية مخرجات التعليم» التي لا توفر الكوادر المؤهلة. وذهب بعضهم إلى وصف الشباب بالكسل وعدم الجدية، وأعلن آخرون اقتناعهم بأن قطاعات بعينها لا تحتاج إلى السعودة. وقد ظلّت هذه أصواتاً هامشية في مجملها، تُقرأ في إطار التنوع الفكري الطبيعي، وإن كانت تكشف عن ضعف حقيقي في استيعاب حجم الفرصة الاقتصادية المتاحة في سوق العمل الوطنية.
التخصصات التي أثارت الجدل بسبب قرار إيقاف القبول فيها في جامعة الملك سعود ابتداءً من أبريل 2026 تتركّز في المجالات الإنسانية واللغوية والزراعية، وقد برّرت الجامعة هذه الخطوة بضرورة «مواءمة المخرجات مع احتياجات سوق العمل» والتحول نحو التخصصات التطبيقية والبينية. في المقابل، يرى المنتقدون أن تخصصات كاللغة العربية والتاريخ تمثّل جزءاً من الهوية الوطنية ولا ينبغي إخضاعها لحسابات الربح والخسارة وحدها، فيما يرى المؤيدون أن تكدّس الخريجين في مجالات بلا وظائف هو هدر صريح للموارد البشرية.
المتأمّل في المبررات المساندة للقرار يلاحظ أنها تنطلق من زوايا متقاطعة في نتائجها وإن اختلفت في مقدماتها، ومنها:
الأولى: زاوية تقليل النفقات لتعظيم الأرباح، وهي منطق القطاع الخاص الكلاسيكي الذي لا غبار عليه في سياقه، لكنه يصبح إشكالياً حين يُطبَّق على مؤسسة لا تقوم في الأصل على مبدأ الربحية. ونموذج العمل في القطاع غير الربحي مصمم لتحمل الأعباء عن القطاع العام. وحتى تستمر الخدمات الحكومية وتتعمق الجودة وتتحسن الظروف، تعطي الحكومة القطاع المرونة المالية والإدارية وتعفيه من الأعباء الضريبية وتنشئ له الاوقاف، وكل هذا لأجل ان يتوسع في التوظيف، ويعظم رعاية الأهداف الانسانية والاجتماعية، والهدف الأكبر: تكريس الاستقرار الاجتماعي اولا، ثم تعظيم القيمة المضافة وتحقيق الاثر المستدام في الدولة.
الثانية: ما يستحق التأمل الجاد هو اللجوء إلى شركات استشارية أجنبية لرسم مستقبل صرح أكاديمي بحجم جامعة الملك سعود، التي أنجبت قيادات التنمية الوطنية عبر عقود. فهذه الاستعانة بالخارج لحل مشكلة داخلية ليست بريئة في دلالتها؛ إذ تعني ضمنياً أن المؤسسة عاجزة عن التفكير الذاتي وصياغة رؤيتها بأيدي أبنائها. وهو ما أُثير قبل سنوات حين استعان (معهد الإدارة العامة) بشركات استشارية لمراجعة استراتيجيته، فكان السؤال مشروعاً: هل نحتاج إلى طرف خارجي كي نفهم أنفسنا؟ يُضاف إلى ذلك أن هذه الاستعانة تتعارض مع توجه الحكومة التي اتخذت خطوات جادة نحو حوكمة عمل الشركات الاستشارية وتوطين الاستشارات، إثر الإشكاليات الكبيرة التي أفرزتها افكارها وتصوراتها في بعض القطاعات والمشاريع التي يجري مراجعتها لتحييد مخاطرها.
الثالثة: وهي مسألة الجدوى من التخصصات الإنسانية، فالأمر أوضح مما يُراد إيهامنا به. فقد أثبتت دراسات غربية رصينة، في مقدمتها دراسات جامعة أكسفورد حول مآلات سوق العمل، أن خريجي الدراسات الإنسانية يمتلكون قدرات تحليلية ونقدية وتواصلية يعجز عنها خريجو التخصصات التقنية البحتة، وأنهم يتأقلمون مع متغيرات السوق بمرونة أعلى على المدى البعيد. وفي سياقنا المحلي تحديداً، تكشف قوائم البطالة عن خريجين في تخصصات تقنية وتطبيقية أُدرجت في الجامعات تلبيةً لحاجة السوق، ثم تبخّر ذلك الطلب بتبدّل الدورة الاقتصادية.
وبيدنا مفارقة واضحة: إذا كانت الجامعات تُلغي الإعلام بحجة عدم حاجة السوق، فلماذا تشغل المجموعات الإعلامية السعودية المساهمة والمؤسسات الحكومية مئات الوظائف من غير السعوديين في مجالات لا تستلزم مهارات استثنائية؟ وإذا كنا نبني متاحف ونؤسس لصناعة سياحية وطنية طموحة، فكيف نُلغي تخصص التاريخ؟ وإذا كنا نمضي في تطوير منظومتنا القضائية، فكيف نُضيّق على القانون وروافده الإنسانية؟
الرابعة: الأمر الثابت الذي ينبغي أن يوجّه القرارات الجامعية هو ربط مخرجات التعليم العالي باحتياجات (التنمية المستدامة)، لا بمتطلبات السوق المتقلبة التي تتغير بتبدّل الدورات الاقتصادية. فالتنمية المستدامة تحتاج إلى هوية راسخة ولغة قوية وذاكرة تاريخية حية وإعلام وطني واعٍ، ولا يمكن بناء هذه الأركان بمعزل عن الدراسات الإنسانية.
كنا نتمنى أن يُعطي مجلس إدارة الجامعة الأولوية لمعالجة المشكلة الحقيقية: (البيئة التعليمية) غير المحفزة التي دفعت كفاءات من أعضاء هيئة التدريس إلى مغادرة الحقل الأكاديمي بحثاً عن بيئات أجدر بطموحاتهم - والأطباء الذين اختاروا ممارسة مهنتهم خارج الجامعات خير شاهد على هذا النزيف الصامت.
غير أن الأسهل دائماً هو تقليص التكاليف عبر الاستغناء عن الموارد البشرية، وهذا بالضبط ما تلجأ إليه المنشآت الربحية حين تضيق بها الأرقام.
وقد سبق أن شهدنا تقليص القبول في بعض التخصصات لتحسين الجودة وتخفيف العبء على الأساتذة، وهو أسلوب لم يعترض عليه أحد، لأنه يعالج المشكلة من جذورها دون المساس بالعمق الحضاري للمؤسسة. والحقيقة أن تكدّس الخريجين في التخصصات الإنسانية لم يكن يوماً مشكلةً في التخصص ذاته، بل هو نتيجة لضعف التخطيط في التعليم العام الذي دفع أكثر من 80 بالمئة من خريجي الثانوية نحو التعليم الجامعي، ونتيجة لضعف السياسات الاقتصادية التي أخفقت في دفع القطاع الصناعي والنقل وقطاع الخدمات وغيرها نحو توليد فرص عمل كافية.
ليس من الحكمة أن تُعالَج هذه الاختلالات البنيوية عبر الإضرار بقاعدة العلوم الإنسانية. فهذه العلوم ليست ترفاً فكرياً كما يتصوره من اعتادوا بناء كيانات الاقتصاد الرأسمالي وفق منطق الربح والخسارة المجرّد؛ إنها الداعم الرئيسي لأي مشروع حضاري جاد. والقرار الأكاديمي الرشيد لا يقيس الجامعة بمنطق المؤشرات المتعثرة في سوق العمل، فهذا مصدر الخلل في المخرجات ومجال إرباك القيادات.
هذا الربط يذكرنا بحال الشركات المساهمة التي تضطر الى التعامل مع حالة السهم الصاعدة والهابطة بفعل المضاربات وليس استجابة لأمور تمس جوهر العمليات التشغيلية أو السياسات الاستثماريّة في الشركة. توتر القيادات وتبدلها يدفع الشركات لاتخاذ قرارات مدمرة عبر إلغاء مشاريع أو بيع أصول منتجة، أو تسريع للعاملين.
في بعض مشاكلنا دوما نقول: فتش عن الإدارة.. وتفحص أداء مجالس الإدارات، بالذات إذا كانت مجالس مجاملات، ولديها عقدة وهوس الاستشارات!