محمد العشيوي - «الجزيرة»:
في لحظةٍ تختصر نصف قرن من الحضور غابت حياة الفهد، لكن المشهد لم يُغلق، لأن بعض الفنانين لا يرحلون، بقدر ما يتحولون إلى ذاكرة حيّة، في صباح 21 أبريل، لم يكن الخبر مجرد إعلان وفاة، بل كان إعلان فقد جماعي، لفنانة لم تكن تؤدي أدوارا، بل كانت تعيشها، وتجعل المشاهد يعيش معها، تاركة إرثا تاريخيا يخلد في الذاكرة الخليجية وممتد لأكثر من ستة عقود مثل الشمس التي لا تغيب.
من البدايات البسيطة إلى قمة المشهد الخليجي
لم تأتِ حياة الفهد إلى الفن من أبواب النجومية، بل دخلته بهدوء يشبه البدايات الصادقة، حاملةً موهبة خام، وروحا قادرة على التقاط تفاصيل الإنسان الخليجي البسيط، في زمنٍ كانت فيه الدراما تبحث عن صوتها، كانت هي أحد الأصوات التي شكلت ملامحها الأولى، حتى أصبحت لاحقًا إحدى الركائز الأساسية التي قام عليها تاريخ الدراما في الخليج، لم تعتمد على الشكل، ولا على الحضور العابر، بل على صدق الأداء، ذلك الصدق الذي جعلها قريبة من الناس، وكأنها واحدة من بيوتهم.
(خالتي قماشة).. حين تتحول الشخصية إلى ذاكرة شعب
في محطات مسيرتها، لا يمكن تجاوز أعمالٍ أصبحت جزءًا من الوعي المجتمعي الدرامي مثل (خالتي قماشة) الذي لم يكن مجرد مسلسل، بل كان مرآةً لمرحلة اجتماعية كاملة لتعلن تأسيس نمط درامي جديد، يمزج بين الكوميديا والواقع، ويجعل من الشخصية الشعبية أيقونةً خالدة، ومن تلك اللحظة، بدأت حياة الفهد تتحول من ممثلة ناجحة، إلى اسمٍ لا يمكن تجاوزه في أي حديث عن الدراما الخليجية.
(جرح الزمن) الوجه الآخر للإنسان
في (جرح الزمن) قدّمت نموذجا إنسانيا عميقا، امرأة تحمل داخلها صراعات الزمن، وتجسد هشاشة الإنسان وقوته في آنٍ واحد، كانت تعرف كيف تنتقل من الضحكة إلى الدمع، ومن البساطة إلى العمق، دون أن تفقد صدقها لحظة واحدة.
سيدة الشاشة..لقب لم يُمنح بل استحق
لم يكن لقب (سيدة الشاشة الخليجية) مجرد توصيف إعلامي، بل كان اعترافا بحضورٍ استثنائي، استمر لعقود دون أن يفقد بريقه، هي واحدة من القلائل الذين نجحوا في البقاء، رغم تغيّر الأجيال، وتحوّل الذائقة، وتسارع إيقاع الصناعة.كانت دائمًا هناك، في قلب المشهد، وفي ذاكرة الجمهور.
ما ميز حياة الفهد
أنها لم تكن بعيدة عن الناس، بل كانت تشبههم، قدّمت الأم، والزوجة، والمرأة البسيطة، وقدمت الألم، والخذلان، والقوة، كما لو أنها تكتب سيرة مجتمعٍ كامل. لهذ لم يكن المشاهد يراها كممثلة، بل كإنسانة يعرفها عن قرب دون أي تصنع او تمثيل، رحلت حياة كجسد لكن الحكاية مستمرة، ستبقى أعمالها تُعرض، وستبقى شخصياتها تُعاد، وستبقى ملامحها حاضرة في كل ذاكرةٍ شاهدتها يومًا.
رحلت حياة الفهد، لكنها تركت إرثًا لا يُقاس بعدد الأعمال، بل بعمق الأثر.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى حياة الفهد كمجرد نجمة درامية، بل كرمز ثقافي ساهم في تشكيل الوجدان الخليجي، وكتب عبر الشاشة تاريخا من الحكايات التي تشبه الناس وتعبر عنهم لتبقى، ببساطة حكاية لا تنتهي على شاشة الخليج.
التكريم الأخير.. لحظة تختصر كل شيء
في عام 2023 وقف مهرجان JOY AWARDS شاهدًا على لحظة استثنائية، حين تم تكريمها بجائزة صُنّاع الترفيه الفخرية، الذي لم يكن تكريما عابرا، بل كان اعترافا علنيا بمسيرة لم تكن تقاس بعدد السنوات، وفي تلك اللحظة، لم تقل الكثير، لكنها قالت ما يكفي (مملكتي الحبيبة)، كلمة واحدة، اختصرت علاقة نجمة بجمهورها ووطن احتضنها واحتضنته، كانت تلك الجملة، أقرب إلى وداع غير معلن، أو ربما إلى رسالة امتنان أخيرة.