تتداول الأوساط الأكاديمية وغير الأكاديمية هذه الأيام إشاعة إغلاق الأقسام الإنسانية في جامعة الملك سعود، وقد قرأت الكثير من التعليقات وردود الأفعال المؤيّدة لهذا القرار، وحجة الجميع أن هذه التخصصات وصلت لمرحلة التشبع، وأصبحت لا تواكب أسواق العمل، وبات الاستمرار فيها هدراً للموارد والطاقات، ويطالبون بإحلال تخصصات علمية وتقنية تدعم المسار الوظيفي وحاجة سوق العمل.
ولعلي في بداية هذا المقال أكبح جماح فرحة بعض مؤيِّدي هذا القرار، وأهمس لهم بنبرة لا تخلو من العتاب بأن قرار إغلاق الكليات الإنسانية في جامعة الملك سعود ما هو إلا إشاعة، نعم إشاعة، فالقرار هو مجرد إيقاف القبول في درجة البكالوريوس للعام الأكاديمي القادم فقط وليس إغلاقاً تاماً لتلك الكليات، والمتدبر الفطن يعلم أن جامعة عريقة مثل جامعة الملك سعود لا يمكن أن تقدم على اتخاذ قرار كهذا وهي منارة الوعي وحافظة اللغة والقانون والتاريخ. ناهيك عن أن هذا الإغلاق (المزعوم) يتنافى مع توجهات المملكة في خدمة الفكر واللغة والهوية والتي كان آخرها تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، وقبله مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية إضافة إلى العديد من المعاهد ومراكز تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
إنني أنظر لجامعة الملك سعود بكبرياء أكاديمي يجعلني أضعها في مصاف جامعات العالم العريقة التي لا تنظر للتعليم كسلعة أو سوق فقط رغم توحش الرأسمالية لديهم.
فجامعة هارفاد مثلاً ما زالت تستقبل الطلبة في تخصصات الأدب والفلسفة والفنون وحتى الدراسات الدينية منذ أكثر من ثلاثمائة عام وحتى الآن، لأنها ببساطة تنظر للتعليم كمصدر للمعرفة والبحث والدراسات، ولا تقيس نجاحها بعدد خريجيها الموظفين، وهو حال جامعة الملك سعود منذ تأسيسها التي لم تكن يوماً معهداً للتعليم المنتهي بالتوظيف، بل منارة علم ومعرفة صنعت الوعي على مدار سبعين عاماً.
كما أن المنصف يعلم أن الكليات الإنسانية ليست مجرد مواد دراسية من أجل الترف الأكاديمي، بل هي المعنية ببناء مهارات الإنسان التي تعجز عن بنائها العلوم الأخرى، ومنها التفكير النقدي وتنمية المهارات وتأسيس القدرات وفلسفة الحياة بصفة عامة، لذلك انطلق منها المعلم، والباحث، والسياسي، والمؤرِّخ، واللغوي، والأديب، وعلماء الاجتماع والعلوم النفسية وغيرهم الكثير ممن لا علاقة لهم على الإطلاق بالعلوم الطبيعة، ورأينا أن أشهر قادة العالم هم خريجوا كليات إنسانية والأمثلة كثيرة منهم رؤساء دول ووزراء خارجية وأدباء وفلاسفة تخرجوا من كليات الشريعة، والآداب، والتاريخ، والجغرافيا، والآثار وغيرها من الكليات الإنسانية التي لولاها لدبت الفوضى في العالم، فالشريعة والقوانين التي تحكم البشر، ومكافحة الجريمة، وحماية الأسرة، واللغة التي تحفظ الهوية، والتراث والتاريخ والطب النفسي والاجتماعي والخدمة الاجتماعية كلها علوم إنسانية.
باختصار: العلوم الطبيعية وما يتبعها من علوم تقنية ومهنية تبني البيوت، وتعالج المرضى، وتصنع الطائرات، وغير ذلك الكثير وصولاً للقنابل النووية.
أما العلوم الإنسانية فهي تصنع الإنسان الذي يدير كل هذا، وهي التي تمنعه من تفجير تلك القنابل.
** **
نايف بن سعيد العطوي - عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية