الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
يعد الوقف بمفهومه الواسع أصدق تعبيراً وأوضح صورة للصدقة التطوعية الدائمة، بل له من الخصائص والمواصفات ما يميزه عن غيره، وذلك بعدم محدوديته واتساع آفاق مجالاته.
يعد الوقف مصدراً مهماً لحيوية المجتمع وفاعليته، وتجسيداً حياً لقيم التكافل الاجتماعي وترسيخاً لمفهوم الصدقة الجارية في رفدها الحياة الاجتماعية بمنافع مستمرة ومتجددة.
«الجزيرة» التقت عدداً من المختصين والمهتمين في القطاع الوقفي، ليتحدثوا عن أثر الوقف في التكافل الاجتماعي؛ فماذا قالوا؟
وسام الشرف
يقول الدكتور أحمد بن عبدالعزيز الشثري أستاذ الفقه بجامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز: التكافل الاجتماعي في الإسلام نالوا به وسام الشرف بين جميع الأمم والأديان، لأن مصدره وأساسه الأخوة الإسلامية، والتراحم بين أهل الإسلام النابع من أساس الدين الإسلامي الحنيف الذي أصّل هذا المبدأ الشريف، قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة..)، وقال - صلى الله عليه وسلم - : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، وخير الناس أنفعهم للناس، وأهل الإيمان كالجسد الواحد، ومن أعظم وسائل التكافل الاجتماعي في الإسلام الصدقات الدائمة والأوقاف التي يستفيد أهل الإسلام بجميع فئاتهم من ريعها ونفعها وتكفيهم عن غيرهم، فكم شُيّدت بسببها دورٌ للعلم، وشُفي بسببها مرضى بعد توفيق الله، ورُفع بسببها الجهل عن جاهلين، ونُصر مظلوم، وكم تفقه من عالم ونفع الله به الأمة، وكم فُرجت من كرب، ويُسّر على معسر بسبب هذه الأوقاف العظيمة والنفع الدائم الذي يجري لصاحبه وهو رهين قبره وقد يمتد موته إلى 1000 عام أو تزيد ولا يزال ذكره وأثره ممتداً في الآخرين، فهنيئاً لمن أوقف أو شارك في وقف فأحيا الله به النفوس وعمر به الأرض.
وقد يسر الله وسائل التكافل الاجتماعي الوقفي عبر المنصات الوقفية الإلكترونية الموثوقة، وكلما كان الوقف مؤسساً ومدروساً عظم أثره في المجتمع واستدام نفعه، فبادر ما دمت تتصرف في مالك قبل فوات الأوان.
مصادر النفع
يشير الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان رئيس مجلس إدارة الجمعية الخيرية لصعوبات التعلّم إلى أن الوقف الإسلامي من أعظم صور العطاء الحضاري في الإسلام، إذ يجسد مفهوم التكافل الاجتماعي المستدام، ويحوّل الأصول إلى مصادر نفعٍ متجددة تعود خيرًا على المجتمع في مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.
وقد حثَّ الإسلام على هذا النهج العظيم؛ قال الله سبحانه وتعالى رب العالمين: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
وقد أسهمت الأوقاف عبر التاريخ في بناء المدارس والمستشفيات ورعاية المحتاجين، مما جعلها ركيزة مهمة في تحقيق التوازن الاجتماعي وتعزيز روح التضامن بين أفراد المجتمع.
وفي عصرنا الحاضر تبرز الحاجة إلى تعزيز ثقافة الوقف وتطويره من خلال الأوقاف التعليمية والصحية والتنموية، بما يدعم العمل الخيري ويعزز التنمية المستدامة.
إن الوقف في جوهره استثمار في الخير وأثرٌ يبقى بعد الرحيل، ووسيلة عظيمة يتقرب بها المسلم إلى الله سبحانه وتعالى رب العالمين، ويخدم بها مجتمعه، ليبقى العطاء متدفقًا والخير ممتدًا عبر الأجيال.
نظام إنساني
يؤكد المهندس محمد بن جابر السهلي مؤسس جمعية الغالة في محافظة الليث، الناشط الاجتماعي المهتم بشؤون الأوقاف أن الوقف في الإسلام ليس مجرد صدقة عابرة، بل هو نظام إنساني حضاري عظيم يرسخ قيم التكافل والتراحم بين أفراد المجتمع؛ فمن خلال الوقف تتكامل الأدوار بين القادرين والمحتاجين، فيجد الفقير عونًا، وطالب العلم دعمًا، والمريض رعايةً، والمجتمع كله نصيبًا من الخير.
وقد عرف المسلمون الوقف منذ صدر الإسلام، فأسهم في بناء المساجد، والمدارس، ودور رعاية الأيتام، وإطعام الطعام وخدمة الفقراء والمساكين. ومن أشهر الأمثلة على ذلك وقف بئر رومة الذي أوقفه الصحابي الجليل عثمان بن عفان - رضي الله عنه -؛ ليبقى نفعه متدفقًا للناس جيلاً بعد جيل وآبار زبيدة للحجاج.
وهكذا يبقى الوقف أحد أعمدة التكافل الاجتماعي في الإسلام، يربط بين أفراد المجتمع بروابط الرحمة والعطاء، ويجعل من المال وسيلةً لبناء الإنسان وخدمة المجتمع.
مجتمع متكاتف
يؤكد الدكتور فارس بن مجزع العنزي المعلم والباحث في شؤون الأوقاف، أن أهم خصائص المجتمع الإسلامي، أنه مجتمع متكاتف، مجتمع بني على الأخوة والمساواة والإيثار، انطلاقاً من قوله - صلى الله عليه وسلم - : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» متفق عليه. فقد مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - المجتمع الإسلامي بالجسد الواحد، الذي لا يستغني عضو عن عضو، ولا يمكن أن يتألم عضو إلا وتألمت معه بقية الأعضاء، ومثلهم كذلك بالبنيان المرصوص، الذي يستدعي تكاتفهم وتآلفهم وتراحمهم وتضامنهم بعضهم مع بعض.
هذا التآلف والتكاتف يكون بالمشاعر الحسية التي لا تُرى بالعين، ولكن آثارها تشاهدها العيون، ويكون كذلك بالتكاتف المادي، ومن مقاصد الشريعة الإسلامية الاجتماع ونبذ الأنانية والفردانية والسلبية، وذم الإسلام تلك الدعوات التي تدعو الإنسان إلى أن يكون اهتمامه مقصوراً على نفسه (وطائفة أهمتهم أنفسهم) يدور حول مصلحته الخاصة، ويعيش في فلكها.
لقد كانت التوجيهات الربانية تنقض هذه الفكرة، بدءاً من الزكاة والصدقات والوصايا والأوقاف، فكل هذه النفقات تدعو إلى أن ينظر المسلمون إلى بعضهم البعض نظرة رحمة ومودة، لا نظر مادة واستغلال، ومن مظاهر هذا التكاتف الوقف.
قال تعالى: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ).
وقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ).
ومن السنة ما رواه ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: أصاب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أرضاً بخيبر فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- يستأمره فيها، فقال: «يا رسول الله أصبت أرضاً بخيبر، لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها».
واختتم د. فارس العنزي حديثه عن أثر الوقف في تحقيق التكافل الاجتماعي، وبيان أن الوقف له أثر في النهضة الاجتماعية، ذاكراً أمثلة عملية على أثر الوقف في تحقيق وإنجاز التكافل بين طبقات المجتمع، منها: بناء الوحدات الصحية ومأوى الأيتام والعجزة ورعايتهم، وبناء المرافق العامة من أجل توفير الخدمات الاجتماعية كحفر الآبار، ومنها بناء المساجد والمدارس.