«الجزيرة» - الرباط:
لم يكن الرقم «10 ملايين» مجرد إحصائية عابرة في سجلات منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)؛ بل كان بمثابة إعلان عن نجاح تجربة فريدة استطاعت أن تنقل السيرة النبوية من طيات الكتب ومن السرد التاريخي إلى المعايشة الرقمية التفاعلية.
في احتفالية كبرى شهدها مقر المنظمة بالرباط يوم الأحد 26 أبريل 2026، احتفت الإيسيسكو بالشراكة مع رابطة العالم الإسلامي والرابطة المحمدية للعلماء بالمملكة المغربية، ببلوغ المعرض والمتحف الدولي للسيرة النبوية والحضارة الإسلامية زائريه 10 ملايين منذ افتتاحه في نوفمبر 2022، إذ يمثل المعرض الذي يحتضنه مقر الإيسيسكو بالعاصمة المغربية الرباط النسخة الأولى من معارض السيرة النبوية خارج المملكة العربية السعودية، حيث يقع مقره الرئيس بالمدينة المنورة.
وفي كلمته خلال الاحتفالية، لفت الدكتور سالم بن محمد المالك، المدير العام للإيسيسكو، إلى رمزية التوقيت؛ حيث تأتي هذه الاحتفالية متزامنة مع ذكرى مرور 15 قرناً على ميلاد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي المناسبة التي أعلنها العاهل المغربي الملك محمد السادس احتفاءً بالقيم النبوية.
وأكد المالك أن المعرض تجاوز كونه صالة عرض ليصبح مزاراً وجدانياً استقطب مختلف الفئات العمرية والجنسيات، وهو الأمر الذي توجه توجيه العاهل المغربي بتوطين هذا المعرض في الرباط، قائلاً: «شراكة زاهرة جمعت في هذا الصرح النوري بين المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية، إذ استأثرت بموافقة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ورعاية جلالة الملك محمد السادس، -حفظهما الله-، وحفظ صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، وليَّ العهد، رئيس مجلس الوزراء، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، الذي شرف هذا المتحف بافتتاحه التاريخي الكريم».
وأوضح أن استضافة هذا الصرح العلمي الكبير تأتي في إطار جهود الإيسيسكو الساعية إلى تقديم رسالة الإسلام ممثلة في العدل والسلام والرحمة والتسامح والتعايش والاعتدال، مشيرا إلى أن المعرض اجتذب العديد من الزوار من خارج العالم الإسلامي.
التكنولوجيا في خدمة السيرة النبوية
من جانبه، أوضح الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، رئيس هيئة علماء المسلمين، أن المتحف نجح في تحويل النصوص إلى «مشاهد تُرى وتُعاش». فبدلاً من القراءة المجردة، يجد الزائر نفسه في عالم افتراضي يحاكي تفاصيل الحياة في المدينة المنورة، وهو ما اعتبره العيسى نقلة نوعية في تجسيد قيم الإسلام السامية بأسلوب عصري.
المغاربة والسيرة النبوية
وأشاد الدكتور أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب، بجهود القائمين على المعرض والمتحف والإقبال الواسع الذي يشهده، معتبرا إياه صرحا حضاريا، كما استعرض مختلف المواقف التاريخية التي تبرز تمسك المغاربة بقيم الدين الإسلامي وتعاليم السيرة النبوية العطرة.
صرح التأم بقيمة المحبة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-
وقال الدكتور أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، إن المعرض جاء ليُعرِّف الناس بالسيرة الطاهرة والسنة المنيرة، والتأم بقيمة المحبة لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، مضيفا أن بلوغ 10 ملايين زائر يدل على أن هذا الينبوع لم يفتر رغم كل العوائق.
تدشين تحديثات جديدة
لم تكتفِ الاحتفالية بالاحتفاء بما مضى، بل دشنت فصلاً جديداً من التطور؛ حيث أُعلن عن إدخال تقنيات حديثة شملت
* بوابة «معين»: وهي منصة معززة بالذكاء الاصطناعي للإجابة عن تساؤلات الزوار.
* أجنحة تفصيلية: تستعرض البرنامج اليومي للنبي- صلى الله عليه وسلم-.
* مشروع «الحقيقة في دقيقة»: وهو عمل إبداعي يلخص محطات السيرة بدقة متناهية.
أبرز أجنحة المعرض بالرباط
ويتضمن المعرض الذي يحظى بالرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- وحضر افتتاحه الرسمي ولي العهد المغربي الأمير الحسن، تقنيات عرض حديثة تروي وتوثق بالتفصيل سيرة رسولنا- عليه الصلاة والسلام-، اشتغل عليها طاقم علمي راسخ في مادة السيرة النبوية، وبأسلوب يخاطب العقل والوجدان، إذ يقدم المتحف لزواره معلومات وقيما حضارية ورسائل مهمة لتغيير الأفكار الخاطئة عن الدين الحنيف.
ويضم المعرض في نسخته بالرباط ثلاثة مكونات رئيسة هي، المعرض والمتحف الدولي للسيرة النبوية والحضارة الإسلامية، و»بانوراما الحجرة النبوية الشريفة» باستخدام تقنيات ثلاثية الأبعاد والواقع الافتراضي، إضافة إلى «معرض صلة المغاربة بالجناب النبوي الشريف.. جمال المحبة والوفاء».
«بشير» أول شخصية بالذكاء الاصطناعي تتناول السيرة النبوية
ويضم المعرض شخصية «بشير» الافتراضية، التي تعد أول شخصية بتقنية الذكاء الاصطناعي تتفاعل مع الزوار وتجيب عن جميع أسئلتهم حول سيرة النبي الأكرم -صلى الله عليه وسلم-، وهو ما يزود رواد المعرض بتجربة رقمية روحية فريدة من نوعها.
ختام
لقد أثبت معرض الرباط أن السيرة النبوية، حين تُقدم بذكاء تقني وعمق روحي، فإنها تتحول إلى لغة عالمية يفهمها الجميع، وهو ما يفسر طوابير الزوار من كل حدب وصوب التي لم تنقطع منذ أكثر من ثلاث سنوات، لتتوج بالزائر رقم 10 ملايين، نجاح منقطع النظير يؤكد أن الرحلة في رحاب السيرة لا تزال في بدايتها.