بقلبٍ مؤمن بقضاء الله وقدره، وبمشاعر تفيض بالأسى والحنين، أكتب هذه الكلمات في وداع الصديق الغالي في رحلة الوفاء محمد بن عبدالعزيز الربيعة. ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد صديق، بل كان أخاً صاغته الأيام، ورفيقاً نقياً لم تغيره السنون، غادرنا تاركاً خلفه فراغاً لا يملؤه إلا الإرث العظيم من الذكريات البيضاء والسيرة العطرة التي أجمع عليها كل من عرفه.
تمتد علاقتي به -رحمه الله- إلى أبعد مما تصله الذاكرة القريبة؛ فقد بدأت بذور هذه الصداقة منذ مراحل المدرسة الابتدائية، حيث نشأنا معاً على البراءة والصدق. وتجلت روعة هذه العلاقة في ردهات نادي الفيحاء، حيث جمعتنا الأعمال المسرحية التي كانت تعكس روحه الحيوية وقدرته الفذة على العطاء والإبداع، فكان شعلة من النشاط وروحاً تضفي البهجة على كل عملٍ يشارك فيه، لتمتد هذه العلاقة وتزهر عبر مراحل العمر المختلفة.
لم تنقطع عرى التواصل بيننا حتى في ميدان العمل، حيث جمعتنا الزمالة في وزارة المالية. وهناك، رأيت فيه ذلك الموظف المخلص والزميل الذي يتسم بالمسؤولية العالية. ورغم ضغوط العمل وكثرة المشاغل، إلا أنه ظل محتفظاً بوفائه، حريصاً على تجديد اللقاء، متلهفاً لرؤية أصدقائه، فكانت مشاغل الحياة تزيد من بريق نقائه وصفاء سريرته بدلاً من أن تطمسه. لقد كان -رحمه الله- عنواناً للكرم ومثالاً للمضيف الذي يأنس بضيوفه؛ فكان منزله مفتوحاً للجميع، عامراً بمعاني الصدق والمودة. ولن ننسى تلك الاثنينية الرائعة التي كان يستقبل فيها الجميع بوجهه الطلق وترحيبه الحار، وعلى الرغم من حالته الصحية وتحديات المرض، إلا أنه كان يتسامى على ألمه ليجمع الأحبة، حريصاً على أن يظل بيته منارة للوصل وملاذاً للأصدقاء، ضارباً أروع الأمثلة في الصبر وعزة النفس. وفي داخل بيته، كان يمثل أسمى معاني الأبوة؛ فقد كان مربياً حنوناً، وسنداً عضيداً لأبنائه غرس فيهم القيم والمبادئ بقدوته قبل كلماته. لم يكن مجرد أب، بل كان الموجه والملهم، يحيطهم برعايته ويبني فيهم مستقبلاً يمتد من أصالة معدنه، فكان لهم الجبل الذي يستندون إليه، والقلب الذي يفيض بالرحمة والاحتواء. كما كان الفقيد نموذجاً فريداً في الجوانب الإنسانية؛ فكان ذلك الابن البار بوالديه، والأخ الداعم والمحب لإخوانه، الذي يقف خلفهم في كل شدة، ويتحفز للقاء القريب والبعيد بصدق نية وصفاء قلب. أما عن عطائه الذي لا ينضب، فقد كان سبّاقاً للوقوف مع المحتاج، باذلاً من وقته وجهده وماله دون تردد. وقد تجلى إخلاصه في أبهى صوره من خلال تبنيه ودعمه لكافة المبادرات الإنسانية والاجتماعية الرائعة التي لا تُحصى؛ فكان المحرك والداعم لكل فكرة تخدم المجتمع، مؤمناً بأن قيمة الإنسان تكمن في قدر ما يتركه من أثر في حياة الآخرين، اسأل الله أن يجعل الله ذلك كله في موازين حسناته.
إنني اليوم لا أرثي صديقاً فحسب، بل أرثي حقبة من العمر كان هو عنوانها الجميل. رحلت يا أبا عبد العزيز وبقيت مآثرك، رحلت وبقيت أعمالك الخيرية شاهدة لك، ورحلت وبقيت ذكراك في قلوب كافة الأحبة والأصدقاء والزملاء ذكراً لا يذبل ودعاءً لا ينقطع.
أسأل الله العلي القدير أن يتغمدك بواسع رحمته، وأن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة، ويجمعنا بك في الفردوس الأعلى من الجنة.
** **
- د. عبدالرحمن بن إبراهيم الخيال