وائل العتيبي - جدة:
حين تُطوى صفحة صالح بن علي بن عبد الرحمن التركي في أمانة محافظة جدة، لا تبدو مغادرته مجرد نهاية لمهمة إدارية، بل ختام مرحلة أعادت صياغة العلاقة بين الإدارة الحضرية وروح الاستثمار، ودَفعت المدينة إلى مسار أكثر حيويةً وانضباطًا وتنظيمًا.
من رجل أعمال إلى صانع مشهد حضري جديد
التركي، رجل الأعمال البارز ومؤسس شركة نسما القابضة ورئيسها الفخري، دخل المشهد البلدي في أغسطس 2018 بمرسوم ملكي، في توقيت كانت فيه جدة بحاجة إلى إعادة ترتيب عميقة لبنيتها وخدماتها. ومنذ اللحظة الأولى، اتضح أنه لا يدير الأمانة بعقلية تقليدية، بل برؤية استثمارية ترى في المدينة مشروعًا متكاملًا، لا مجرد جهاز خدمي.
جدة في قلب التحول... ورش مفتوحة ونتائج ملموسة
خلال فترة قيادته، شهدت جدة واحدة من أكثر مراحلها حراكًا؛ إذ تحولت ملفات ظلت عالقة لسنوات إلى ورش عمل مفتوحة. تسارعت وتيرة المشاريع، وتحسنت جودة الخدمات، وبرزت جهود ملموسة في معالجة التشوّه البصري، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتطوير الواجهات البحرية والمرافق العامة، ما منح المدينة ملامح أكثر حداثةً وانضباطًا.
من التجميل إلى الاستدامة... إعادة تعريف جودة الحياة
لم يقتصر هذا التحول على الجانب الشكلي، بل امتد إلى إعادة تشكيل مفهوم الاستدامة الحضرية عبر توسيع المساحات الخضراء، وتحسين المشهد البيئي، وتنظيم النسيج العمراني بما يواكب مستهدفات رؤية السعودية 2030، لتتحول جدة تدريجيًا إلى نموذج حضري يوازن بين النمو المتسارع وجودة الحياة.
قرارات جريئة... بين الحسم والجدل
ارتبط اسم التركي بقرارات وُصفت بالجريئة، كان أبرزها حملات إزالة التعديات وتنظيم الأحياء العشوائية، وقد أعادت هذه الخطوات رسم الخريطة العمرانية للمدينة، وأثارت نقاشًا واسعًا بين من رأى فيها ضرورة تاريخية لإعادة الهيكلة، ومن تحفّظ على انعكاساتها الاجتماعية.
ومع ذلك، أسهمت هذه الإجراءات-رغم جدليتها-في ترسيخ مرحلة أكثر انضباطًا في التخطيط الحضري.
إدارة حديثة... عقلية القطاع الخاص في خدمة المدينة
تمثّل أحد أبرز ملامح تجربة التركي في نقل مفاهيم القطاع الخاص إلى العمل البلدي؛ من حيث الكفاءة، وتسريع الإنجاز، وتعزيز الشفافية، والانفتاح على الشراكات، ما أعاد تعريف دور الأمانة لتصبح جهة فاعلة في التنمية.
وجه إنساني... حضور يتجاوز حدود المنصب
بالتوازي مع دوره الرسمي، حافظ التركي على حضوره كشخصية مؤثرة في العمل الخيري والاجتماعي، خاصة في منطقة مكة المكرمة، حيث دعم مبادرات إنسانية وتنموية عززت ارتباطه بالمجتمع.
وداع رسمي... تقدير يوازي حجم الأثر
وفي مشهد يعكس حجم التقدير، استقبل الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز معاليه في مقر الإمارة بجدة بمناسبة انتهاء فترة عمله، معربًا عن شكره لما بذله من جهود، ومتمنيًا له التوفيق، فيما عبّر التركي عن امتنانه للدعم الذي حظي به، مؤكدًا أن ما تحقق كان ثمرة عملٍ جماعي.
مسيرة مكللة بالإنجازات والتكريم
لم تكن تجربة التركي وليدة المنصب، بل امتدادًا لمسيرة حافلة؛ إذ اختارته حكومة النمسا قنصلًا فخريًا في جدة عام 2010، ونال جائزة الملك سلمان لدعم الشباب عام 2011، كما كُرّم من وزارة الشؤون الاجتماعية، وحصل على جائزة الأمير محمد بن فهد لخدمة أعمال البر، قبل أن يتوج بجائزة مكة للتميّز الإنساني عام 2018.
إرث لا يغادر... بل يُعاد إنتاجه في ملامح جدة
مغادرة التركي لا تعني انحسار أثره؛ فبصمته باتت جزءًا من ملامح جدة الجديدة-مدينة أكثر انضباطًا، وأعلى كفاءة، وأوسع طموحًا، لقد أعاد تعريف كيفية إدارة المدن الكبرى، وفتح نقاشًا عميقًا حول التوازن بين التطوير العمراني والبعد الاجتماعي، وبينما تستعد جدة لمرحلة جديدة، يبقى اسم صالح التركي حاضرًا كأحد أبرز من أعادوا تشكيلها... برؤية لم تغيّر المدينة فقط، بل غيّرت طريقة التفكير فيها.