محمد العشيوي - «الجزيرة»:
برحيل الفنان الكبير هاني شاكر «73 عامًا»، يغيب صوت ظل لعقود طويلة أحد أبرز ملامح الأغنية العربية، وأحد أعمدتها التي شكّلت وجدان أجيال متعاقبة.
وجاءت وفاة الراحل هاني شاكر بعد رحلة علاجية شاقة، بدأت من القاهرة عقب خضوعه لعملية استئصال للقولون، قبل أن تتدهور حالته الصحية تدريجيًا، ما استدعى نقله إلى باريس لاستكمال علاجه، إلا أن حالته شهدت انتكاسة مفاجئة، أدخلته العناية المركزة خلال الأسبوعين الماضيين، ليُعلن مساء الأحد رحيله، في مشهد حزين يعكس نهاية فصل طويل من العطاء الفني.
صوتٌ لا يُشبه إلا نفسه
لم يكن هاني شاكر مجرد مطرب عابر في تاريخ الأغنية، بل كان حالة فنية متكاملة، نجح خلالها في ترسيخ هوية خاصة، تقوم على النقاء الصوتي، والإحساس العالي، والالتزام بجماليات الكلمة واللحن، وعلى امتداد أكثر من 60 عامًا، ظل صوته حاضرًا في كل المراحل، محتفظًا بمكانته كأحد أبرز الأصوات الرومانسية في العالم العربي.
قدم الراحل أرشيفًا ضخمًا من الأغاني التي تنوعت بين العاطفي والطربي، واستطاع أن يحافظ على خطه الفني دون أن ينجرف خلف التحولات السريعة، ليبقى وفيًا لمدرسة الطرب الأصيل، وهو ما منحه احترامًا جماهيريًا ونخبويًا في آنٍ واحد.
أرقام تحكي الحكاية
خلال مسيرته، طرح أكثر من 34 ألبومًا غنائيًا، وقدم ما يزيد على 42 فيديو كليب، إلى جانب مشاركته في أربعة أفلام سينمائية، خاصة في سبعينيات القرن الماضي، التي مثلت مرحلة ذهبية في حضوره الفني، هذه الأرقام لا تعبر فقط عن كثافة الإنتاج، بل عن استمرارية نادرة لفنان استطاع أن يحافظ على حضوره في مشهد متغير، دون أن يفقد هويته.
بين الفن والإدارة
إلى جانب مسيرته الغنائية، خاض الراحل تجربة إدارية من خلال توليه منصب نقيب الموسيقيين في مصر عام 2015، وهي المرحلة التي شهدت الكثير من التحديات، خاصة في ظل التحولات التي تعيشها صناعة الموسيقى، وقدم الراحل خلال تلك الفترة مواقف متعددة دفاعًا عن حقوق الفنانين، قبل أن يعلن استقالته في عام 2022، مكتفيًا بما قدّمه، وعائدًا إلى مساحته الأهم وهي الفن. برحيل هاني شاكر، يفقد الفن العربي واحدًا من أصواته الأصيلة، لكن ما يبقى هو ذلك الإرث الممتد، الذي سيظل حاضرًا في ذاكرة المستمعين، وفي أرشيف الأغنية العربية، وهو الرحيل الذي يذكّر دائمًا بأن الكبار لا يغيبون تمامًا، بل يتحولون إلى ذاكرة حية، تتجدد مع كل استماع، وتعود مع كل لحظة حنين.