محمد العشيوي - «الجزيرة»:
لم يعد المشهد الغنائي في المملكة يُقاس بعدد الحفلات، بل بحجم التحول الذي تقوده المسارح الكبرى، وفي مقدمتها مسرح محمد عبده ومسرح أبو بكر سالم في الرياض، ومسرح عبادي الجوهر في جدة، ومسرح طلال مداح في أبها، التي أعادت تعريف العلاقة بين الفنان والجمهور، وحوّلت الحفلة الغنائية من مناسبة عابرة إلى تجربة متكاملة ذات بعد ثقافي واقتصادي.
ومنذ افتتاح مسرح محمد عبده في بوليفارد رياض سيتي، بدت ملامح التحول واضحة، حيث لم يكن تدشينه مجرد إضافة بنية تحتية، بل إعلان عن ولادة منصة فنية بمعايير عالمية، البداية التي جاءت عبر الأوركسترا المصرية بأكثر من أربعين عازفًا لم تكن تفصيلًا عابرًا، بل رسالة مبكرة بأن الصوت لم يعد العنصر الوحيد في الحفلة، بل إن التجربة بكامل عناصرها من توزيع موسيقي وإخراج بصري، أصبحت جزءًا من القيمة الفنية المقدمة.
ومنذ تلك اللحظة، تحوّل المسرح إلى محور للحفلات الكبرى، وواجهة تستقطب نجوم الأغنية العربية والعالمية، في مشهد يعكس انتقال الرياض من محطة فنية إلى مركز إنتاج وتأثير.
وفي السياق ذاته، يقدّم مسرح أبو بكر سالم نموذجا مغايرًا يقوم على تكريس الهوية الطربية، حيث يميل إلى الحفلات التي تحتفي بالصوت وتفاصيله، وتستهدف جمهورًا يبحث عن العمق الموسيقي أكثر من الاستعراض البصري، بشهادة الليالي الطربية التي أقيمت عليه هذا التوازن بين المسرحين في الرياض أسهم في خلق سوق فني متنوع، يجمع بين الحفلات الجماهيرية الضخمة والتجارب الطربية النخبوية، بما يعزز من استدامة المشهد ويمنحه مرونة في استيعاب مختلف الأذواق.
أما في جدة، فقد جاء مسرح عبادي الجوهر ليعيد رسم الخريطة الفنية للساحل الغربي، مستفيدًا من إرث المدينة الثقافي وانفتاحها التاريخي على الفنون، ومنذ افتتاح المسرح في أغسطس 2024 بحضور الفنان عبادي الجوهر لم يكن مجرد حدث فني، بل تأكيد على أن المملكة لم تعد تعتمد على مركز واحد للفعاليات، بل تتجه نحو توزيع الحراك الفني جغرافيًا، بما يعزز من حضور المدن المختلفة كمحطات رئيسة في صناعة الترفيه، ومع استضافة عدد من النجوم، بدأ المسرح في ترسيخ نفسه كواجهة فنية تعكس هوية جدة، حيث يلتقي الطرب الكلاسيكي بروح المدينة المتجددة.
وفي أبها، يكتسب مسرح طلال مداح بعدًا مختلفًا، إذ يتجاوز دوره كمنصة للعروض إلى كونه مساحة لاستحضار الذاكرة الفنية، من خلال تخليد اسم طلال مداح، أحد أبرز رموز الأغنية السعودية، هذا المسرح لا ينافس بالأرقام بقدر ما يستثمر في القيمة الرمزية، مستفيدًا من طبيعة أبها السياحية، ليقدم تجربة تجمع بين الفن والمكان، وتمنح الحفلات بعدًا وجدانيًا يتجاوز حدود الأداء المباشر.
البنية التحتية تكتب المشهد
هذه المسارح مجتمعة تعكس تحولًا أعمق في بنية القطاع الترفيهي، حيث لم يعد المسرح مجرد موقع لاستضافة الفنانين، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل التجربة الفنية، فالبنية التحتية المتقدمة، إلى جانب الطلب الجماهيري المتصاعد، أسهمت في خلق بيئة قادرة على استقطاب أهم نجوم العالم، الذين باتوا ينظرون إلى المملكة كوجهة رئيسة في جولاتهم، لا كخيار إضافي.
وفي ظل هذا التحول، يمكن قراءة المشهد بوصفه انتقالًا من (اقتصاد الحفلة) إلى (اقتصاد التجربة)، حيث تتكامل عناصر الصوت والإضاءة والإخراج مع الحضور الجماهيري لتشكل منتجا ثقافيا متكاملا، وهو ما يعزز من مكانة المملكة كمركز فني إقليمي، قادر على المنافسة عالميًا، ليس فقط من خلال استضافة النجوم، بل عبر تقديم نموذج جديد للحفلات يواكب أعلى المعايير الدولية.
وفي المحصلة، لم تعد هذه المسارح مجرد منصات للغناء، بل تحولت إلى مؤشرات على تحول ثقافي أوسع، عكس طموح النجوم في أن تكون ملاذًا للفنانين، ووجهة لصناعة الفن، لا استهلاكه فقط، ويأتي فصل الصيف ليكون حراكا فنيا يجمع بين الليالي الغنائية والسوق السياحي الترفيهي بالمملكة والذي يعكسه حجم الطلب والأرقام على الحفلات الغنائية في جانبية الترفيهي والسياحي.