الوقوف والتعريج على منازل ذكريات الصبا والشباب لذيذ وماتع، وإن شابه مسحة حزن الفقد والرحيل، خصوصاً المنازل الأثيرة واللصيقة للفؤاد والروح.
ومن تلك المواطن الأثيرة للنفس جامع الأميرة سارة في حي البديعة، وإن كنت وأهلي لسنا من سكان الحي، ولكن كنت أصلي فيه بين الحين والآخر، والحي آنذاك -من الأحياء الراقية في مدينة الرياض-، وكانت جماعة هذا الجامع ثلة من الصالحين المتسابقين للخيرات، اجتمعت لهما الدين والدنيا، فمنهم الأمير والقاضي المتقاعد والثري الوجيه، يتجملون للجامع بلبس «البشوت» لكل فريضة، وربما آخر جماعة مسجد في الرياض يلبسون العباءة أو البشت لكل فريضة، رحمهم الله.
يصلي بهم الشيخ عبدالعزيز بن مقيرن، ومنزله كان مجاوراً للجامع، وله قراءة نجدية متميزة بالفخامة لأجل صوته الجهوري وهي إحدى سمات الحي آنذاك. وله «تنغيم» نجدي أيضاً ماتع في «التحديث» بعد صلاة العصر، وفي القراءة بين أذان العشاء وإقامتها من «اللؤلؤ والمرجان» في شهر رمضان وكان رحمه الله دمث الأخلاق لطيف المعشر حفياً بالآخرين، يجيد «سبك الدعاء»، وهو صياغة أدعية متنوعة تجري على لسانه لمن يلقاه، وهي خصلة كان يجيدها بعض كبار السن من الذكور والإناث من أهالي الرياض ولست منهم.
ثم انتقل ابن مقيرن إلى السكنى إلى «أم الحمام» ، وصار يتردد على الجامع ثم لضعفه وبعد المسافة ترك الإمامة، ثم صارت له جلسة في منزله كل مغرب ثلاثاء لأقاربه ومحبيه، وفي مقدمة مستقبلي الزائرين أبناء الشيخ ابن مقيرن خالد وسعد وغيرهما وأحفادهم وقد ورثوا عن أبيهم حسن الخلق ولطف المعشر، ونعم الوالد وما ولد.
وفي صلاة الجمعة يزدحم الجامع بوجهاء أهل الرياض، وكان الشيخ ابن مقيرن يعد الخطبة ويحشد لها مسبقاً، فإذا جاء صباح الخميس قرأها على سماحة المفتي عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ رحمه الله، توفي الشيخ عبدالعزيز بن مقيرن سنة 1441هـ.
وجامع الأميرة سارة قبل ذلك وبعده هو موطن دروس الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله مع جامع الإمام تركي بن عبدالله (جامع الديرة)، ولما أعيد بناء جامع الإمام تركي وإعادة تأهيل منطقة قصر الحكم ، انتقلت دروس الشيخ كلها في جامع الأميرة سارة، وفي سنة 1409هـ كانت لأحد أقاربنا جنازة يراد أن يُصلى عليها بعد صلاة الفجر فلم يجدوا إلا جامع الأميرة سارة الأكثر عدداً فجراً، ونعم الجمع وما اجتمعوا عليه ورحم الله من اجتمعوا عنده.
ولما أُعيد بناء الجامع سنة 1411هـ، انتقلت دروس الشيخ إلى جامع الثنيان بظهرة البديعة، وهي سنة احتلال الكويت وتحريرها، واستمرت دروس الشيخ رغم انطلاق صواريخ «سكود» على مدينة الرياض وتوقف الدراسة النظامية وغيرها من الأنشطة العلمية والثقافية والاجتماعية.
وبعد إتمام إعادة بناء جامع الأميرة سارة، عادت دروس الشيخ فيه الفجر والمغرب الأحد سنة 1412هـ، وبعدها بسنة أصبحت دروس الفجر: الأحد والاثنين والأربعاء والخميس في جامع الإمام تركي والمغرب الأحد فقط في جامع الأميرة سارة ثم أعاد الشيخ وأضاف درس مغرب الأربعاء في جامع الأميرة سارة ايضا
وكم شهد فضاء هذا الجامع مسائل شتى في التفسير والفقه والحديث والتوحيد، وكم تكررت كلمة «حدثنا»، وكأنها مجالس الحديث التي نقرأ عنها في كتب المحدثين مثل مؤلفات الخطيب البغدادي وغيره، أو في تراجم علماء الحديث في سير أعلام النبلاء من مجالس العلم والحديث في دار الهجرة ومدينة السلام ودمشق وبلاد ما وراء النهر. وكم في هذا الدروس من مواعظ وفوائد، وكم بكى الشيخ فيها: بكى في حديث قصة «الإفك» وتوبة كعب بن مالك رضي الله عنه، وقضاء عبدالله بن الزبير لدين والده رضي الله عنهما وغيرها من المواضع.
والشيخ أثناء القراءة عليه لسانه لا يفتر عن ذكر الله مع الانتباه الكامل لما يُقرأ عليه، وفي سنته الأخيرة استمر الدرس رغم مرضه، وربما جاء من المستشفى إلى الجامع مباشرة، وبعد انتهاء الدرس وأداء صلاة العشاء، أحياناً كثيرة يلقي موعظة عامة يؤكد فيها أهمية التسامح والتعاون على الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رحمه الله. ويستمر شلال الذكريات عند التأمل في أرجاء الجامع وجدرانه وسواريه، ولكن القلم يعجز عن الاسترسال مع هذه الذكريات ويضعف عن تقييدها، اللهم اغفر لهم وأعلِ درجتهم في المهديين واخلفهم في عقبهم في الغابرين، واجعل هذه البلاد معمورة بالتوحيد والسنة وأصلح لنا ذرياتنا واختم بالصالحات أعمالنا، والحمد لله رب العالمين.
** **
- سعد العبداللطيف