ليست الوثيقة الأسرية ورقةً عابرة تُطوى في خزائن الدُّوُر، ولا أثرًا جامدًا من آثار الآباء والأجداد؛ بل هي في كثير من الأحيان شاهدٌ صغير في حجمه، عظيمٌ في دلالته، يحمل من أخبار الناس والبلدان ما قد تُفوّت ذِكره المدوّنات، أو مرّت عليه الرواية الشفوية مرورًا عابرًا. وقد جرت عادة كثير من الباحثين في تاريخ البلدان والأسر أن يلتفتوا إلى الكتب المشهورة، والحوادث الكبرى، والسير المتداولة، حتى إذا لم يجدوا في تلك المصادر ذِكرًا لشخصٍ أو خبرٍ أو ولايةٍ أو إمارة، ظنوا أن التاريخ قد خلا منه، وأن السكوت عنه دليلٌ على عدمه. وهذا من مزالق البحث التاريخي؛ فإن التاريخ أوسع من أن تحيط به المصنفات المطبوعة، وأبعد غورًا من أن تستوعبه الروايات المشهورة. فكم من رجلٍ كان له أثر في بلده، فلم يحفظ ذِكره إلا وثيقة بيع أو وقف أو وكالة أو غيرها. وكم من حادثةٍ كان لها وزنها في زمنها، ثم غابت عن كتب المؤرخين، وبقي طرفها بين أوراق قاضٍ، أو مداينة عاميّ.
ومن هنا تبرز قيمة الوثائق الأسرية؛ فهي لا تحفظ أملاك الأسر وأنسابها ومعاملاتها فحسب، بل تحفظ شيئًا من ذاكرة المجتمع نفسه. ففيها تظهر أسماء القضاة، والكتّاب، والشهود، والأمراء، ووجوه البلدان، وأرباب الأموال، ومواضع الدور والمزارع والآبار والمساجد والأسواق. وهي بهذا المعنى لا تفيد الأسرة التي احتفظت بها وحدها، بل تمتد فائدتها إلى تاريخ البلدة كلها، وربما إلى تاريخ الإقليم بأسره.
والوثيقة التي بين أيدينا مثالٌ بيّن على هذا الباب؛ فهي وإن بدت في ظاهرها وثيقةً أسرية عادية فيها تقسيمٌ لعقارٍ ما، إلا أن النظر الفاحص يكشف أنها تحمل دلالة تاريخية تتجاوز موضوعها المباشر، إذ ورد فيها ذِكر أميرٍ للمجمعة لم يكن مذكورًا في المدونات التاريخية المشهورة، وهذه الإشارة الوجيزة في نظر الباحث مفتاحٌ يفتح بابًا من أبواب تاريخ المجمعة السياسي والاجتماعي.
وهنا تظهر قيمة الوثيقة، فالقارئ العابر قد يمر على الاسم الوارد فيها فلا يقف عنده، أما الباحث المتأني فإنه يسأل: من هذا الرجل؟ وفي أي زمنٍ ظهر؟ وما وجه وصفه أو ذكره؟ وما علاقته بالبلدة؟ وهل ورد اسمه في وثائق أخرى؟...وغيرها من الأسئلة، وإن هذه الأسئلة هي التي تنقل الوثيقة من كونها مجرد ورقة إلى مادة علمية نافعة للباحث والقارئ. ومن أهم ما تمتاز به الوثائق الأسرية أنها قريبة من زمن الحدث، وهي صادرة لغرض عملي لا لغرض المفاخرة أو نحوها؛ ولهذا فإنها تحمل قدرًا عاليًا من المصداقية التاريخية، وتتسرّب إلى هذه الوثائق إشارات ثمينة: لقبٌ هنا، ونسبةٌ هناك، واسم أميرٍ أو قاضٍ أو موضعٍ أو حدٍّ من حدود الملك، فإذا اجتمعت هذه الإشارات، صنعت للباحث صورةً يستكمل بها جزءًا من التاريخ.
وكثيرًا ما تجد ذِكرًا لعلمٍ من أسرةٍ ما في وثائق أسرةٍ أخرى، إما شاهدًا أو بائعًا أو غير ذلك، فتظافر الجهود في إخراج مثل هذه الوثائق يتيح لجميع الأسر معلوماتٍ قد تكون خافيةً عليها، فضلًا عن استفادة الباحثين المعنيين بتاريخ ذلك البلد الذي توجد فيه تلك الأسر، والباحثين بوجهٍ عام.
والباحث في تاريخ المجمعة، وفي تاريخ البلدان النجدية عمومًا، يدرك أن جزءًا ليس بقليل من تاريخها لم يُكتب في كتب التاريخ، بل توزّع في خزائن الأسر، ودواوين الأوقاف، ومبايعات العقارات، ومكاتبات القضاة، ووثائق الديون والوكالات والوصايا. ومن جمع هذه الشذرات، وأحسن قراءتها، وربط بعضها ببعض، استطاع أن يستخرج من بين السطور تاريخًا كان مُغْفَلًا، وأن يعيد إلى الذاكرة أسماءًا غابت، وأخبارًا خفُت صوتها.
ولعل هذه الوثيقة التي نستعرضها هنا تكون شاهدًا على ذلك؛ فقد حملت بين سطورها إشارةً إلى أميرٍ للمجمعة خفي ذِكره أو قلّ تداوله، فصارت بذلك مثالًا عمليًا على أن الوثيقة الأسرية قد تكون مفتاحًا لبابٍ مؤصد، وأن تاريخ المدن لا يزال في حاجة إلى من يفتش عنه في مظانه المغمورة.
ودونك نص الوثيقة وصورتها: (بسم الله الرحمن الرحيم: حضر عندي محمد بن عبدالوهاب وابن أخيه حمد بن عبدالعزيز وعثمان بن دخيل حال كونه وكيلا عن طرفة بنت عبدالله بن رميح زوجة عبدالعزيز وهيا بنت عبدالعزيز بن عبدالوهاب وأقروا انهم قسموا عقارهم المسمى الحربية وصار لورثة عبدالعزيز الشمالي من القسمة صطرين مما يلي البديع من جنوب والسلجة والخضرية التي تواليها من شرق في الصطر الثالث في صدره كذلك المقفزية والخضرية تبع لورثة عبدالعزيز كذلك يحده من شمال الحقيه والمسكانية من شمال (...) في سهم جدتهم ومن قبله الجاده اللي بين فيد الحميدي وفيد حمدان سوق عابر الى البيت ومن شرق الصطرين واردات الى السوق الشرقي العابر كذلك صطر الجاده تبع لقسمة ورثة عبدالعزيز خارج منه المسكانية والخضرية وعلياه من شمال نبتة سيف والصطر المذكور ثمان ونصف القبلي ظاهر سدسه للسعود والماء لورثة عبدالعزيز عشير قليب العوده وعشير البديع والطرق عابرة من جنوب ومن شمال ما يحدث فيها شهد على ذلك حمود بن عبدالرحمن بن مقحم وعبدالله بن الحميدي وأخوه عبدالرحمن والأمير محمد التويجري وكتبه شاهدًا به عبدالعزيز بن صالح بن مرشد وصلى الله على محمد وصحبه وسلم حرر 24 ب سنة 1295 (الختم)).
التعريف ببعض الشخصيات الواردة في الوثيقة:
الأمير محمد التويجري، هو: محمد بن إبراهيم بن عبدالله بن إبراهيم بن عبدالله التويجري، من قبيلة عنزة، تولى إمارة المجمعة مدةً من الزمن، وابنه عبدالمحسن هو وكيل بيت مال سدير منذ عام 1326هـ وحتى وفاته عام 1346هـ(1)، أما حفيداه حمد بن عبدالمحسن بن محمد، ومعالي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن بن محمد (2)، فالأول ولي مالية سدير خلفًا لوالده حتى عام 1357هـ حيث نقله الملك عبدالعزيز رئيسا لمالية القصيم، والثاني ولاه الملك عبدالعزيز مالية سدير خلفًا لأخيه حمد حتى عام (1381هـ)(3)، وقد تقلد رحمه الله منصب النائب المساعد لرئيس الحرس الوطني (4).
محمد بن عبدالوهاب، هو: محمد بن عبدالوهاب بن عبدالله الوهيّب، من قبيلة بني تميم، جد أسرة العبدالوهاب في المجمعة.
حمد بن عبدالعزيز، هو: حمد بن عبدالعزيز بن عبدالوهاب بن عبدالله الوهيّب، ابن أخ السابق، توفي ولم يعقب.
عبدالعزيز بن صالح ابن مرشد، هو: الشيخ عبدالعزيز بن صالح بن موسى بن صالح بن مرشد، من قبيلة عنزة، وُلد في مدينة الرياض عام 1240هـ، ولّاه الإمام فيصل بن تركي قضاء الزلفي بمشورةٍ من الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ، فلما ظهرت كفاءته ولّاه قضاء عموم سدير، ثم نقله إلى قضاء الرياض، كما ولّاه إمامة جامع الإمام تركي وخطابته والتدريس فيه، وبعد استيلاء محمد ابن رشيد على نجد وما جاورها من المقاطعات نُقل إلى قضاء مدينة حائل، توفي رحمه الله في مدينة حائل عام 1324هـ(5).
عبدالرحمن الحميدي، هو: عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله بن محمد، من قبيلة شمر، جد أسرة الحميدي في المجمعة.
عبدالله الحميدي، هو: عبدالله بن محمد بن عبدالله، أخو السابق، كان حيًا عام (1308هـ)، توفي ولم يعقب.
حمود بن عبدالرحمن بن مقحم، هو: حمود بن عبدالرحمن بن حمود ابن مقحم التويجري، كان حيًا عام (1332هـ).
هيا بنت عبدالعزيز بن عبدالوهاب: كانت حيةً عام (1337هـ)، أخت حمد سالِف الذِّكر.
الهوامش:
(1) ينظر: جريدة الجزيرة، الأحد 2 محرم 1436هـ، العدد 15368.
(2) له عدة مؤلفات أشهرها كتابه (لسرات الليل هتف الصباح).
(3) ينظر: جريدة الجزيرة، الأحد 2 محرم 1436هـ، العدد 15368، التاريخ في المصدر (1311هـ) وهو سبق قلم.
(4) نفسه.
(5) ينظر: (علماء نجد خلال ثمانية قرون)، البسام. عبدالله بن عبدالرحمن، دار الميمان للنشر والتوزيع، ط3، 1441هـ، ج3، ص318-320.
** **
عبدالعزيز بن بسّام المسند - المجمعة