يَكْشِفُ لَنَا مَخْطُوطُ كِتَابِ كَمَالَ اللغةِ للنَّطَنْزِيِّ تَرْتِيبًا جَدِيدًا غابَ عن الدراسات الٍمُعْجميّة الحديثة، فَلَقَدِ انْتَهَجَ الشيخ أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم النَّطَنْزِيّ الأصبهاني (ت: 497هـ) طريقَ: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ في ترتيب معجمه العربي الأوحد المعنون بكَمَالِ اللُّغَةِ شاملًا جميع كُتُبِهِ وأبوابه وجُذُورِهِ.
وكان الغيابُ عن اكتشاف منهج ترتيب كمال اللغة سَبَبًا في جَزْم الدارسينَ جَزْمًا قاطعًا بإعراض اللغويين عن ترتيب أبجد هوز في المعاجم العربية، فهذا الدكتور الفياض قبل اثْنتيْنِ وأَرْبعينَ سَنَةً يقول: «ومع أن الترتيب الأبجدي أقدمُ ترتيبٍ عرفته العربية للحروف فما من أحد من اللغويين العرب أَلَّفَ مُعْجمًا للألفاظ على نَسَقِهِ» (المعاجم العربية وكيفية الإفادة منها لمحمد جابر الفياض، مجلة البحوث الإسلامية العدد11 عام 1404/ 1405هـ),
وأصبح هذا الجزم الآن قاصرًا ناقصًا بعد اكتشاف ترتيب كمال اللغة للنطنزي.
ولذا فإن هذا الكتاب يُعَدّ مدرسةً جديدة في ترتيب معاجم الألفاظ، كما أنه يضاف إلى منهج البحث بالحرف الأول.
ومن هنا نَتساءلُ عَنْ سِرِّ اختيار النَّطَنْزي لهذا الترتيب الأبجديّ لا الألفبائي؟
في جَعْبتي جَوَابَاتٌ عن هذا التساؤل:
أولها: أن السبب في ذلك هو الرغبة في انتهاج طريقةٍ جديدةٍ عن سابقيه من لُغَوِيِّي العَرَبِيَّةِ، حيث كان اللُّغويّونَ يتنافسونَ في طرائق ترتيب معاجمهم ويُنَوِّعُونَها، وذلك معلومٌ لكل دارسٍ لتاريخ التأليف المعجمي.
ثانِيها: أن الترتيبَ الأبجديَّ أقربُ إلى السلامة من التصحيف في اللفظ؛ لأن نظمَ الحروف وترتيبها فيه متنافرٌ من حيث الكتابة والرسم، وبعبارة أخرى: الترتيب الأبجدي قائم على لَمِّ الحروف دون الالتفات إلى تشابه الرسم أو مخرج الحرف، ولذا لا تجد حَرْفًا يشبه الذي يليه فيه إلا في موضع واحد هو التاء والثاء، وهو بهذه المنافرة تميَّزَ عن الترتيب الألفبائي (ب ت ث ج ح خ دذ رز إلخ) القائم على ضَمّ الحروف المتشابهة في الرسم بُغْيةَ تعليم الكتابة (الإملاء) فبدأ بالثلاثة المتشابهات ب وت وث ثم ج وح وخ ثم بالمتشابهين: دذ ورز إلخ ثم بالحروف الفريدة: ف ق ك ل م ..إلخ (ينظر في الترتيب الألفبائي قول أبي الحسن أحمد العروضي فقد كتب تعليلًا لطيفًا. الجامع في العروض والقوافي 79 إلى 81).
الجواب الثالث: أن الترتيب الأبجدي (أبجد هوز ...إلخ) أَقْدَمُ في العربية من غيره وتعرفه العرب في جاهليتها، وكذلك استعملوه في حِسَابِ الجُمَّل. ولم يكن هذا الترتيبُ الأبجديُّ خافيًا خافتًا عن الناس، إذ إن بعض اللغات تشترك في هذا الترتيب مع العربية كالسُّرْيانية، إلا أن السريانية تقف عند التاء وهي بذلك اثنان وعشرون حرفًا، فزادتِ العَرَبُ الحروفَ: ثخذ ضظغ، وأَسْموها: الرَّوَادِفَ. (ينظر: السريانية – العربية الجذور والامتداد لسمير عبده ص56 و71 أيضًا).
وإنَّ نفسي لتطمئن للجواب الأول هو الرغبة في التجديد والإبداع والتنويع.
وأما عن ترتيب الأقسام في المعجم الثنائي والمضاعف والثلاثي والرباعي والخماسي فتأثر النطنزي تأثرا واضحًا بتقسيم ابن فارس في المجمل فيبتدئ النطنزي بالثنائي والمضاعف ثم الثلاثي ثم ما زاد عن ثلاثة أحرف وهو يختلف عن المجمل في جعله الثنائي والمضاعف تحت باب الثلاثي دون الإشارة إليه فمثلًا يقول: «باب الألف والذال وثالثهما» فيبدأ بالثنائي وهو: «إِذْ: كلمة تدل على فعل في زمان ماضٍ، وأَذَّ الشيءَ بسيفِهِ: قَطَعَهُ، وسيف أَذُوذٌ وأَذَّاذٌ: قَطَّاع. ثم بدأَ بالثلاثيِّ: «أذى: آذيت فلانًا ...إلخ» ثم جذر أذن وألفاظها ثم جذر أذر ولفظها وهكذا دَوَاليـْك.َ
وأقول: إنَّ كتاب كمال اللغة وصل إلينا نِصْفه حيث شملت مخطوطته على أربعة عشر حرفاً لا غير، تبدأ بكتاب الألف إلى كتاب النون، وسطور من كتاب حرف السين، ونسأل الله أن يمنَّ علينا بالعُثورِ على بقيّة أَجْزائِهِ كما مَنَّ علينا بالعُثُورِ على أَوّلِه وتَحْقِيقِه.
** **
- د. لؤي العتيبي